Category: تهريب

رياح التغيير

يستطيع الملاح الجيد، والفلاح النشيط التنبؤ بطقس الغد من ريح الغسق. فهو لا يحتاج لنشرة جوية، ولا تطبيق على هاتفه الذكي ينبئه بحالة الجو في يوم الغد. كذلك يستطيع المراقب للأوضاع تحسس رياح التغيير وأين ستهب العاصفة المقبلة.

الحرب الطاحنة

كنت محقًا عندما قلت أن حرب أغسطس الماضي لن تكون اﻷخيرة (لا يتطلب اﻷمر ذكاءً عاليًا لمعرفة ذلك). اﻵن ندخل الشهر السادس من حرب طالت واستفحلت وتغوَلت لتلتهم اﻷخضر واليابس. ما يهمني هو معطيات الواقع الجديد: واقع ما بعد الحرب.

من السهل فرض واقع جديد عقب حرب. الناس تكون مشتاقة للعودة للحياة الطبيعية ولا تبالي كثيرًا بما يحدث طالما توقف صوت المدافع. يمكن النظر لحالات سابقة عبر السنوات التسع السابقة. والرجوع لكتاب عقيدة الصدمة للمزيد من المعلومات حول هذه الفكرة.

وسائل النقل العام “الخاصة”

قد يحدث خلط بين كلمة “العام” بمعنى أنه نقل مشترك، وبين العام بمعنى أنه قطاع عام “حكومي” تشرف عليه الدولة. في الآونة اﻷخيرة ظهرت شركتان متخصصتان في النقل العام تقدم خدماتها للزبائن دون الرجوع للحكومة ممثلة بوزارة المواصلات (ربما هي مرخصة منها لكن هذا ليس موضوعنا). على الورق تبدو خدمات هذه الشركات ممتازة وتكاد تكافئ الخدمات الموجودة في دول العالم اﻷول:

 باصات مكيفة، يمكن شحن الهاتف بها، تتحرك على خطوط واضحة، يمكن تحريك الكرسي وإسناده للخلف، ولديك مساحة تحت الكرسي لوضع حقيبتين، وهذه الحافلات مزودة بكاميرات مراقبة، ومتتبعة باﻷقمار الصناعية .. الخ) يمكن الرجوع لتدوينة الإفيكوات لخلق نوع من المقارنة بين الخدمتين.

 

كم سيكون السعر؟

حتى اﻵن لم تعلن أي من الشركتين أسعارها للمواطنين. وإحداهما صرحت أنه يمكن شراء الاشتراكات من مكاتبها بالعاصمة. أي أنه لديك تذكرة إلكترونية تصعد بها متن الحافلة وتنطلق بك في وجهتك مع خصم مبلغ من الرصيد مع كل مشوار.

هذا كلام جيد نظريا ولا عيب فيه. بل هو الطبيعي والسائد في أغلب دول العالم. لا أعتقد أنها ستكون رخيصة ولا في متناول الطلبة والموظفين (إلا لو كان لديهم باقات سعرية مخصصة لهم).

أين المشكلة؟

من وجهة نظري أن هذه الخطوة يليها مباشرة رفع الدعم عن المحروقات. تحدثت عن هذا الموضوع بالتفصيل في تدوينة سابقة. ومع نمط النزوح من القرى للمدن والزحام الخانق الذي تعاني منه طرابلس، يبدو لي أنه العلاج بالكي.

أعتقد أن العام 2020 سيكون العام الذي ترفع فيه أسعار المحروقات لأول مرة منذ زمن طويل. اﻷمر الذي سيشكل ضربة لاقتصاد التهريب الموازي، وأيضا يضع ضغطًا على كاهل المواطن.
دفع دعم مالي في المصارف يبدوغير واقعي مع استمرار أزمة السيولة. وكما رأينا من منحة أرباب اﻷسر فهي تمنح فرصة كبيرة للسمسرة والاستغلال وعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين.

حل مشكلة وخلق مشاكل؟

أعلم جيدًا أن رفع الدعم أمر لا بد منه. لكن حل مشكلة لا يكون بخلق مشاكل أخرى. عدد الباصات التي أتت بها هذه الشركات لن يغطي مدينة طرابلس (ناهيك عن المدن اﻷخرى). والخطوط محدودة أصلا ولا تمر سوى بالشوارع الرئيسية. الشوارع التي بالفعل بها وسائل مواصلات أخرى – أقل تنظيما نعم، لكنها موجودة – .

 كما أن ذلك سيؤدي لرفع أسعار السلع والخدمات لارتفاع أسعار الوقود. ودون أجهزة رقابية فعالة لمراقبة اﻷسعار. فإن ذلك سيشكل ضربة للمواطن المثخن بالضربات أساسًا..

اﻷسبوع اﻷول لرفع الدعم

  • يمكنني تصور سيناريو رفع الدعم من واقع تصرف المواطنين في اﻷزمات. في البداية سيكون هناك ازدحام شديد على المحطات لشراء البنزين بسعره القديم.
  • ثم تخزين لتلك الكميات في المنازل والمحلات. وحرائق بسبب تخزين البنزين بطرق غير ملائمة.
  • بعد ذلك يستسلم الناس للصدمة ويبدأون في شراء البنزين بسعره الجديد. أو ما تم تهريبه بسعر أقل قليلًا..

محاولة خلق النظام من الفوضى صعبة وغير ممكنة أحيانًا. تتطلب مقدارًا عاليًا من الوعي والمسؤولية الوطنية. وهو أمر يغيب لدى شريحة كبيرة من المواطنين..

هل تعتقد أن مجيء شركات نقل “عام” يعني بالضرورة رفع الدعم عن الوقود؟ شاركني برأيك في التعليقات ..

 

من الملام؟

هل يجب علينا فعلا أن نجيب عن هذا السؤال؟
ما حدث في ليبيا خلال السنوات اﻷخيرة، أمر بشع ومروع. هل يجب أن نشير بأصابع اللوم ونحدد: من هو السبب فيما جرى لهذا البلد الغني بالثروات والقليل السكان؟
إذا كان اﻷمر ضروريا، فلنرى من المسؤول عن مجريات اﻷحداث!

فلنجب بكل تجرد على هذه اﻷسئلة

من أين أتى الوزراء والمسؤولون؟ أليسوا من بني جلدتنا؟

من الذي يقاتل حروب العصابات داخل المدن؟ أليسوا ليبيين؟

من يستهلك الكهرباء بشكل جنوني ويسبب طرح اﻷحمال؟ من الذي يسرق اﻷسلاك والكوابل؟ من الذي لم يدفع الفواتير لعدة سنوات متتالية؟

من الذي يخرب إمدادات المياه ويعطل اﻷبار؟

من الذي يسبب الزحام في المدن (باﻷخص طرابلس)؟ يركن سيارته حيث يشاء ويعطل حركة السير؟
أيضا القيادة الجنونية التي تحصد أرواح المئات كل شهر، من يقودها؟ شعب آخر مثلا؟؟

من يلقي بالقمامة كيفما اتفق؟ ويحرق القمامة وسط المنازل والمدارس؟

من ينهب المال العام؟ من لا يخلص في أداء وظيفته ولا يقوم منها إلا بالنذر اليسير؟ ربع ساعة هي انتاجية الموظف الليبي في اليوم حسب ديوان المحاسبة!!

من يحتكر العملة ويسبب في أزمة السيولة؟

من يهرب السلع التموينية والمحروقات ويسبب في انهيار العملة المحلية وضعف الاقتصاد القومي؟

من أقفل أبار النفط وحرم الشعب من مصدر قوته الوحيد؟

من جعل من ليبيا ممرا للهجرة الغير شرعية؟ أليسوا هم الليبيين أنفسهم من ضعاف النفوس الذين غرّتهم المادة وباعوا وطنهم بثمن بخس؟

هل يمكننا لوم أمريكا؟ الماسونية؟ لا أًصدق بنظرية المؤامرة! بل أصدق أن الشعب يرفض تحمل مسؤولية أفعاله!

مالذي نحن بحاجة إليه؟

نحن بحاجة لجرعة مكثفة من النقد الذاتي، أرشح كتب: الشخصية الليبية لمنصف وناس، و العرب وجهة نظر يابانية لنوتوهارا،
وكتاب ثورة المنطق الفطري لبين موري ويلس.
هذه الصفعات ستنسينا خرافات كررناها بكل سذاجة حتى صدقناها مثل: الشعب الليبي هو الشعب المتدين بالفطرة، وليبيا بلد المليون حافظ لكتاب الله. لأننا لسنا كذلك!

إن كنا كذلك لماذا نتذيل قوائم الشفافية والعدل ونعتلي قوائم الفساد والرشوية والمحسوبية؟ من جعل الفساد ركنا من أركان الثقافة الليبية؟

نسينا اﻷمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتركنا من ينكر في غيه يعمه!

نحن الملام، كشعب! حتى لو لم نسرق أو نهرّب أونغنم، نحن لم نفعل شيئًا لإيقاف ذلك..

العقلية الغبية التي تنص على: “أخطى راسي وقص”، وتعني أنه طالما لا يعنيني اﻷمر، فلن أتدخل. وأيضا جملة من نوع: “اللي ما يدير شي، ما يجيه شي” هي تاج السلبية بعينها!

البكاء على اللبن المسكوب لن يعيد البلاد كما كانت عليه. ولو أن كل منا قام بما يستطيع في نطاق دائرة تأثيره لما حصل ما حصل!

مالذي تعتقده أنت عزيزي القارئ؟ هل نفتقد إلى المحاسبة ومبدأ النقد الذاتي؟ أم أن المنافق محبوب وذاكر العيوب مذموم؟

رفع الدعم عن الوقود

لا يخفى على أحد الازدحام المروري الذي تشهده العاصمة الليبية طرابلس، رغم أن عدد سكانها قليل مقارنة بعواصم أخرى مجاورة (القاهرة مثلا). ويعزى ذلك لعدة أسباب منها غياب التخطيط وكثرة المختنقات المرورية، كالمقاهي والمخابز في التقاطعات، وأيضا الهجرة من الريف إلى المدينة، وأزمة النزوح. وأيضا رخص الوقود، لقد دونت بالتفصيل عن هذا الموضوع ومن الممكن مراجعة التدوينة من الرابط.

هذه التدوينة تختص بحل جزئي وهو رفع الدعم عن الوقود، مميزات رفع الدعم وعيوبه. وكيف يمكن تطبيقه بالشكل اﻷمثل؟

الوقود الليبي رخيص الثمن وقد يكون من ضمن اﻷرخص عالميًا – وخاصة مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي – ما شجع الكثير من ضعاف النفوس لتهريبه للدول المجاورة، اﻷمر الذي يزيد من ضعف الاقتصاد وحدة اﻷزمة الاقتصادية.

 

عوامل مؤثرة

  • رخص الوقود (والسيارات سابقًا) شجع الكثيرين على امتلاك أكثر من سيارة، وبالنسبة للكثيرين و-خاصة الشباب- قيادة السيارة على غير هدى في طرقات المدينة هي الطريقة الوحيدة لتمضية الوقت.
  •  كما لا يفوتني أن أذكر قرارات استيراد السيارات وكمية الفساد ومخالفة القوانين التي فيها، ما أدى لدخول سيارات قديمة ومتهالكة إلى البلاد وملئها الطرق دون فائدة.

 

 

هل يكون رفع الدعم هو الحل؟

 

  • نعم! لن تحرك السيارة من مكانها إلا إن كنت محتاجًا لذلك، لا داعي للقيادة في كل مشوار قريب حتى للمخبز المجاور! وكلنا يعرف فوائد رياضة المشي على الصحة العامة. كما أن الدراجات هي بديل شعبي وجيد ومن الصعب قيادتها عند إمتلاء الطريق بالسيارات.
  • توفير أموال طائلة تذهب لجيوب المهربين والعصابات الخارجة عن القانون، والتي بدورها تهدد أمن الوطن والمواطن، وتساهم بنشاطات ضارة بالمجتمع. صرح مدير المؤسسة الوطنية للنفط أن خسائر ليبيا من التهريب تتعدى المليار دينار سنويا!!
  • تقليل الازدحامات، لا يدخل الطريق العام سوى من يحتاج لذلك.

متى يرفع الدعم؟

دول غنية مثل السعودية والإمارات رفعت الدعم لكي تتفادى الخسائر، وهي بلدان لم تحدث فيها اضطرابات – حفظها الله وسلم بلادنا – كما رفعته مصر المجاورة لنا، وتونس عدة مرات خلال السنوات اﻷخيرة، فلماذا نحن لا؟ خاصة ونسب الحوادث المميتة مرتفعة كثيرًا لدينا.

  • يرفع الدعم بعد حل أزمة السيولة النقدية ومشاكل الكهرباء، ولا يرفع حتى يتم تعويض المواطن في حسابه المصرفي بقيمة الدعم بشكل كامل، دون سلبيات نظام الدفع بالشيك والبطاقة ونظام التسعيرة المزدوج (الربا).
  • الاستثمار في باصات جيدة وحتى خطوط قطارات.
  • توفير منافذ ترفيهية مباحة مثل الملاعب والمسطحات الخضراء والنوادي لكي يجد الشباب متنفسات غير القيادة طول النهار والمعاكسات الفارغة.

إن لم تستوفى هذه الشروط، فرفع الدعم سيكون عالة على كاهل المواطن، بدلا من حل أزمات أخرى يعاني منها.

هذه اﻷمور لا تحدث في يوم وليلة. لذلك التقليل التدريجي هو الحل، ووعي المواطن وشعوره بالمسؤولية تجاه بلده هو ما يعول عليه في حل هذه المشكلات.

لكن للأسف نفتقد إلى ذلك، وهذه العقلية الأنانية ستقضي علينا إن لم نقضي عليها.

 

لماذا أطالب برفع الدعم؟

كمواطن من الطبقة الكادحة، يضرني بشدة تهريب الوقود والسلع وما يفعله بالاقتصاد، كما أن الزحام في المدن لم يعد يطاق وأصبح الذهاب للعمل قطعة من العذاب. ولأن الكثير من الناس يخشى من استعمال عقله، فلا ينفع معهم سوى فرض الضرائب والقوانين القاسية.

في الختام

هل تعتقد عزيزي القارئ أن رفع الدعم جاء متأخرًا جدا؟ أم أن جنة التهريب والزحام يجب أن تستمر لفترة أطول؟ شاركني برأيك في قسم التعليقات لأستفيد من رأيك.