Category: صفحات من الذاكرة (Page 11 of 11)

ما بين أولمبياد أتلانتا وأولمبياد ريو

شعار أولمبياد سنة 1996

هذه اﻷيام تحضرني ذكريات سنة 1996 ،وتحديدًا اﻷلعاب الأولمبية في أتلانتا كانت الحدث اﻷبرز في ذلك الصيف، كانت الظروف مشابهة لظروفنا الحالية نوعًا ما، بل إن ظروفنا الحالية أسؤا بكثير مما كانت عليه منذ 20 سنة مضت (لا أعلم إن كانت ليبيا شاركت ببعثة في أولمبياد تلك السنة أم لا).

 كان المنفذ الوحيد لمشاهدة اﻷلعاب اﻷولمبية هي قناة الشقيقة تونس، والتي كنا نستقبلها بصعوبة بالغة رغم أن العاصمة تونس لا تبعد أكثر من 500 كم عن طرابلس، وطبعًا فالقناة الحكومية (الوحيدة) ما كانت لتقطع حلقات مسلسل Roots الشهير لتبث اﻷلعاب اﻷولمبية، بل كانت تبث منافسات اﻷلعاب الشعبية كقفز الجرد والكرة والمعيكيف، مع وصلات تراثية أفريقية تستمر لساعات أحيانا، وبطولة الفاتح للفروسية ومسابقات الشعر الشعبي وما إلى ذلك من الترفيه الخالص.

اﻷحوال الإقتصادية والمعيشية سنة 1996

كان سعر الدولار في السوق السوداء (سودة على رؤوسهم إن شاء الله) مرتفعًا بسبب العقوبات الإقتصادية على ليبيا لتورطها في تفجير طائرة( بان – أم) فوق مدينة لوكربي الأسكتلندية ومقتل جميع ركابها، والغلاء كان متفشيًا والناس في حال صعبة (كما هو الحال اليوم).

لم تكن الكهرباء تقطع على الإطلاق (ولو قطعت فهذا دليل وجود عطل ما ويتم إصلاحه بأسرع وقت ممكن)، ولا أتذكر أن المصارف كانت خالية من السيولة النقدية بل كانت متوافرة رغم تأخر المرتبات لبعضة أشهر أحيانًا.

كما أن اﻷمن كان مستتبًا في تلك الأيام، على عكس الإنفلات والفوضى التي لا تخفى على أحد والتي نعاني منها اليوم.
لم تكن هنالك رحلات طيران من وإلى ليبيا، فكانت الموانئ هي المنفذ الوحيد للسفر إلى مالطا أو تونس لركوب الطائرات من هناك.
الجمعيات الإستهلاكية كانت توفر الحاجات اﻷساسية للمواطن بسعر زهيد مقارنة بالتكلفة، لم يكن الشعب جائعًا في سنة 1996!

اليوم وبعد مرور عشرين سنة

الكهرباء تقطع يوميًَا مالا يقل عن ست ساعات (يعتمد هذا السطر على مكان إقامتك)، والسيولة غير متوفرة في المصارف إطلاقًا، ولو كان الوقوف في الطوابير رياضة أولمبية لحققنا فيها المراكز اﻷولى وظفرنا بقصب السبق دون منازع! كما أن الدولار يناطح الدينار ويعتدي على ما تبقى من شرفه، طوبى لتجار الحروب واﻷزمات في كل وقت.

السلع التموينية غير مدعومة كما كانت منذ عشرين سنة، لا أعلم إلى أين ذهبت الجمعيات الإستهلاكية التي كانت توفر بعض العزاء للمواطن المطحون، لكنها أستبدلت بجشع التجار الذين لا يتوانون عن رفع اﻷسعار كلما حدث حادث بحجج واهية (ولا تعود لتهبط حين ينقضي الظرف)، رغم أن معظمهم يحصل على إعتمادات نقدية بسعر صرف الدولار من المصرف المركزي.

كل يوم يموت المرضى في المستشفيات الليبية نتيجة نقص المعدات والأدوية والعناصر الطبية، وبعض المستشفيات أقفلت أبوابها بالكامل نتيجة لتردي اﻷوضاع، والمصحات الخاصة صارت ترفض إستقبال المرضى بحجج واهية ليموت المواطنون بين العيادات والمستشفيات.

أما التمثيل الليبي في أولمبياد ريو فأعتذر عن التدوين عنه وذلك بسبب أنني مصاب بالقرحة وقد نفذ مني الدواء مؤخرًا..
ورغم تنوع القنوات الإعلامية الليبية فإنها كغثاء السيل على أفضل تقدير، لا هم لها سوى تأجيج نار الفتنة ودق طبول الحرب وتمزيق اللحمة الوطنية (بضم اللام وليس فتحها)، لا أعلم إن كانت تبث أولمبياد ريو، ولست مهتما بصراحة!

الشعب الليبي في سنة 2016 يعاني الجوع والظلام والمرض، ولديه فائض من الحكومات ولجان الحوار وإعداد الدساتير والتعديلات والمبعوثين اﻷمميين والجيوش والسرايا والكتائ.. إلخ

كنت قد تحدثت عن هذا في تدوينة سابقة بالتفصيل، للأسف لا تطور في الوضع حتى الساعة.

تصور منعش

ربما لو عاد أحد المغتربين الذي غادر ليبيا في تلك السنة اليوم لكان أول ملاحظة له هي: “معقولة شعب جيعان زي هذا عنده نت ويخش عالفيس؟ تي مش لاقيين ما تاكلو راكم”، ثم كان ليضيف: “حي ركبتوا ستلايت”؟ ويقصد أن الإنترنت وصحون الإستقبال دخلت معظم منازل ليبيا، وهذا لم يكن متوفرًأ في سنة 1996 (الستلايت كان حكرًا على من يستطيع دفع 3000 دينار لإمتلاكه، تقريبًا مرتب سنة ونصف في ذلك الحين).

 

يا مرحبا بالذكريات!

حتى السفر بالمراكب أصبح له سوق مجددًا رغم أن الكثيرين لا يمتلكون جوازات سفر، ولا توجد في ليبيا سفارات أصلًا لتتحصل منها على التأشيرات، بعد إرتفاع أسعار تذاكر الطيران مجددًا، لأسباب تتعلق بالدولار.

عمر اﻷزمة

إلى متى تستمر هذه اﻷزمة؟ أشد الناس تفاؤلا يبدو سوداويًا حين الحديث عن هذا الموضوع، فمن الواضح أن هنالك أطرافًا مستفيدة من إطالة زمن معاناة الليبيين، ولذلك فإن اﻷزمة قد تطول، ربما لا تعلم أن الفلسطينين في سنة 1948 خرجوا من منازلهم بثيابهم التي عليهم ظنًا أنهم سيعودون إليها قريبًا، اليوم الجيل الثالث بعد النكسة لا يزال يعيش في الشتات، نحن شعوب شديدة الصبر كما يبدو!!
كما أن تكيف الليبيين مع ظروف اﻷزمة يجعلني أعتقد أن اﻷزمة ستطول، غريزة البقاء تتفوق على كل شيئ في هذه الحالة.

مشاهدات المدونة ترتفع، ما السبب؟

لا بد أنه يوم الخميس! أعرف ذلك دون النظر إلى الرزنامة، فمشاهدات مدونتي ترتفع في هذا اليوم تحديدًا دونًا عن غيره، الفضل في ذلك يرجع لأنه اليوم الوحيد الذي تفتح فيه منظومة الجوازات، ما يجلب الزوار لسلسلة التدوينات حول الجوازات، والتي لا تتناسب مشاهداتها إطلاقًا مع عدد التعليقات القليل والمتفرق والذي لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة (ونصفه بالطبع يرجع لي فأنا أحاول الرد على كل من يعلق على مدونتي!).

لم أسمع ولا كلمة شكر واحدة على المجهود الذي أقوم به،  ربما يجب أن أضع طابورًا أمام المدونة ليقدروا مجهوداتي أو أن أفتحها يومًا واحدًا في اﻷسبوع (أنا أمزح طبعًا).

ختامًا

أقتطعت من وقتي الثمين لألتقط أنفاسي المتقطعة من الجري بين الطوابير بحثًا عن رغيف الخبز ومن رياضة الوقوف في طابور المصرف لسحب ملاليم قليلة لا تسد جوعًا، مستغلًا فرصة رجوع الكهرباء بعد إنقطاع ماراثوني دام قرابة يوم كامل، لأدون في هذه المدونة بعضًا من اﻷفكار التي تجول بخاطري مؤخرًا، قبل أن تطالها سياسة التقشف ويصير التدوين رفاهية لا يمكنني تحملها، لتنضم إلى قائمة طويلة من الرفاهيات التي طرحت بفعل الواقع القاسي، تبدأ من كوب القهوة ردئ الصنع مرورًا بتكملة تعليمي والتحصل على شهادة عليا أو الإستقرار أخيرا والزواج وتكوين أسرة لا سمح الله!!

لأي شخص فاتته التسعينات في ليبيا أو لم يولد خلالها ليعاصرها، أبشر!!قد عادت وعليها فوائد مركبة!

ما تعليقك على هذه التدوينة، شاركها مع من تحب وساعدني على نشر مدونتي 🙂

في رثاء حمزة

سبع سنين مرت منذ توفى صديقي حمزة في حادث أليم، اليوم لا يوافق الذكرى السنوية لوفاته ولا ذكرى أي شيئ أخر، تصادف أنه قد عثرت على مدونتي القديمة التي أنشأتها فور انتقاله للرفيق اﻷعلى والتي كانت طريقتي في تخليد ذكرى صديقي الذي بدا أن الكل نساه، لا زلت أذكر ابتساماتهم في المقبرة وضحكهم وحديثهم في أمور الدنيا الفانية وحمزة لم يجف ترابه بعد، وهنا رجعت بالذاكرة إلى تلك النقطة من الزمن.


لم يتوفى حمزة في اشتباك أو “دعكة” خاوية من المعنى والمضمون، بل مات في حادث مروري قبل أن يقع السلاح في أيدي المدنيين ونصبح (الشعب المسلح) بالفعل، وبدلًا أن نحارب الصهاينة وأعداء الوطن كما ينبغي “للشعب المسلح الغير قابل للهزيمة” تفننا في نبش الخصومات والعداوات القديمة وإذكاء نار الفتن وإفناء بعضنا بعضًا.

اضطررت لاستعادة كلمة السر عبر عملية طويلة ومعقدة، فقد ألغيت بريدي الإلكتروني الذي سجلت به تلك المدونة لذا انعدمت فرص استردادها بتلك الوسيلة، وبعد العديد من المحاولات المضنية استعدت مدونتي القديمة ومعها ذكريات مشوشة عن واقع لم يعد موجودًا، ولدهشتي كانت المدونة خالية! لا أذكر لماذا لم أكتب أي شيئ فيها أو أعبر عن طوفان المرارة الذي كان يموج بداخلي؟!

موت حمزة المفاجئ أثر علي بشكل مباشر وشخصي (بالإضافة لظروف أخرى كنت أمر بها)، حمزة كان زميلي في المعهد وصديقي وكنا نسكن نفس المدينة قبل أن أنتقل منها إلى مدينة أخرى،  كنت أقدر روحه المرحة وخفة دمه كثيرًا (رحمه الله) وحقيقة أنه يأتي من مكان بعيد ليحضر المحاضرات ويركب وسائل مواصلات عديدة ليصل في الثامنة صباحًا للمعهد، ثم يغادر معنًا في السادسة مساء ليصل منزله بعد حلول الظلام دون أن يشتكي أو يتذمر.

خبر وفاته نزل على رؤوسنا كالصاعقة، لم يتوقع أحد أن تتعرض السيارة التي كان يركبها لحادث مروري ينجو منه السائق بأعجوبة ويتوفى الراكب حمزة الذي كان في طريقه إلى المعهد لحضور محاضرة.

كان الفصل الذي قبله فصلًا مغلقًا (أي أنك يجب أن تنجح في جميع المواد قبل أن تنتقل للفصل التالي) وقد رسبت أنا  في مادة واحدة فقط من أصل سبع مواد ( لا يسعني المجال لذكر اﻷسباب الآن) وكان علي أن أعيد فصلًا كاملًا وأنا أدرس مادة واحدة فقط ما يخالف كل لوائح التعليم العالي، بينما رسب رحمه الله في مادتين، أذكر امتحان أحدهما المعملي حيث دخل هو ورسب بينما نجحت أنا في ذلك الامتحان النهائي بالكاد، كان قدره أن يتوفى وهو أت ليعيد تلك المادة بالذات التي دخل امتحانها المقسم لطاولتين، طاولة تعنت المعيد الذي يشرف عليها ورفض مساعدة الطلبة في حل الامتحان التعجيزي الذي وضعه، وطاولة سهلت المعيدة امتحانها، ولك أن تحزر أي الطاولتين كانت طاولته وأيها كانت طاولتي.

ولا زلت حتى يومنا هذا أمقت ذلك المعيد المتكبر الفظ غليظ القلب وأحمله ولو جزءًا من مسؤولية وفاة حمزة (أنا مؤمن بالقضاء والقدر تمام الإيمان) و لا زلت متحاملًا على تلك اللائحة التي أراها جائرة ولم ينفع مرور السنين الطوال في تغيير وجهة نظري فيها.

يوم سماعنا الخبر بكت زميلاتنا بكاءً مرًا على وفاة حمزة، وإحداهن بالذات أثر في بكائها لأنني كنت معجبًا بها من بعيد، لدرجة أنني غبطته على ذلك الموقف!!

مرت سنوات عديدة وأحداث مهولة على هذه البلاد، ولكنني لم أتمكن من نسيان حمزة، للأسباب التي خلت كلها وأسباب لا أفقه كنهها، أسأل الله له الرحمة والمغفرة وأسألك عزيزي القارئ أن تدعو له بالرحمة والمغفرة.

سورة الفاتحة صدقة على روح صديقي
سورة الفاتحة

بقي أن أذكر أن مشروع تخرجي من المعهد كان لعبة تفاعلية تعليمية للأطفال، اخترت للشخصية الرئيسية فيها اسم حمزة (رحمه الله)، كانت هذه طريقتي في تذكر حمزة وأن أتأكد أنه لم ينسى، مع علمي أن أصدقائه نسوه لحظة مواراته الثرى.

لماذا أنشر هذه التدوينة اليوم؟ لا أعلم! رغم أن غدًا هو غرة شهر رمضان المبارك ومن المفترض أن تكون هذه تهنئة بالشهر، لكنها ليست كذلك!

 

هذه التدوينة كانت تخيم على أفكاري منذ أن استعدت مدونتي القديمة، ولكنني قررت نشرها هنا بدلًا عن ذلك، ولا أظن أنني سأنشر أي شيئ على تلك المدونة أصلًا (هذه التدوينة كانت معدة للنشر على مدونتي على الووردبريس لكن ذلك لن يحصل)..

رحمك الله يا حمزة.

Newer posts »