أتذكر بوضوح، عندما كنت صغيرًا، أننا كنا نحصل على السلع التموينية من الجمعية. ذلك أن الدولة في العهد الاشتراكي، كانت توفر السلع بأسعار مدعومة للمواطنين، وكل مواطن يحصل على نصيبه من التموين، حسب مساهمته، وعدد أفراد أسرته.
ما أنواع السلع التي كانت في الجمعية؟
السلع الأساسية التي كانت دائمًا حاضرة في السلة الغذائية هي: المعكرونة، والأرز، والشاي، والسكر، والدقيق، والزيت، ومعجون الطماطم. بعض السلع كانت تحضر وتغيب، على حسب. فنحن لا نعرف متى تتوفر، أو كيف. مثل الشوكولاتة، والجبنة الايدام، والحليب المحلى المعلب، والتونة. ليس أن هذه البضائع ليست متوفرة في السوق، بل هي كذلك، ولكن بسبب الحصار، وضعف المرتبات، من الأفضل لك أن تنالها من الجمعية. كما أن التبغ من المنشأة العامة كان يحضر، ولكن والدي كان يتخلص منه، فهو – حفظه الله – ليس مدخنًا. ولا حاجة له بعلب التبغ التي توفرها الجمعية.
كما كنا أحيانًا نحصل على صناديق فاكهة، أذكر التفاح الأحمر الجميل، في علبه البنفسجية، والموز الذي كان يصلنا أخضر، ونضطر لإبقاءه في حجرة مظلمة لأسابيع، لينضج، ويصبح صالحًا للأكل.
زمن البؤس الجميل
وفي بعض الأعوام كانت الجمعية توفر القرطاسية قبيل العام الدراسي، أقلام، وكراريس، وحقائب مدرسية، عليها شعارات (ثورة الفاتح)، و(مقولات الكتاب الأخضر). وكان كل من بالفصل لديه منها.
لعل هذه إحدى مميزات الاشتراكية القليلة، كنا جميعًا – باستثناء القلة المنتفعة – نعيش في مستوى معيشي متقارب، ونشاهد نفس القناة (طالع تدوينة الفيديو للمزيد من السياق)، ونرتدي نفس الملابس من المنشأة العامة. حياة بائسة، بلى هي كذلك. لكن عندما يعم البؤس، تستوي الخلائق.

كيف كان الذهاب للجمعية؟
أتذكر أن والدي كان يصطحبنا معه للجمعية، لحمل الأغراض، ونقلها للسيارة. فمع كميات السكر (50 كيلو جرامًا)، والدقيق (20 كيلو جرامًا)، والمعكرونة (20 كيلو جرامًا)، وصناديق الزيت، والمعجون. ما كان ليستطيع حمل كل ذلك لوحده، حتى مع عربة اليد، وعدة نقلات.
بالنسبة لنا، كان الذهاب للجمعية أشبه بالذهاب لمكان سحري، فهي دائمًا ما تفتح في المساء، ويصل فينا الدور غالبًا ليلًا. ورائحة المكان تفوح بالنفثالين، وروائح الدقيق، والسكر المخزن. لها رائحة نفاذة من المستحيل نسيانها. كما أتذكر كتيب عائلتنا الأصفر، الذي يختم فيه الموظفون ما نستلم، وما ليس موجودًا، قبل أن يأخذو المساهمة، وهي بالنظر لأسعار هذه الأيام، كانت رمزية، وبسيطة.
أين ذهبت الجمعيات؟
بعد (ثورة فبراير) صارت الجمعية أشبه بحدث موسمي، ربما تفتح أبوابها مرة كل ستة أشهر. قبل أن تقرر إحدى الحكومات رفع الدعم التمويني، واستبداله بالنقدي. لم نستلم الدعم النقدي بعد، وصرنا نشتري التموين بسعر السوق الحر. أكتب هذه التدوينة بعد رحلة تسوق، شاهدت فيها أسعار السلع – على عينك يا تاجر -. فهي ترتفع كلما حدث عارض، أو عثرت بغلة في أرض العراق. لكنها لا تنخفض بزوال المؤثر. وأسمع عن ارتفاع سعر النفط – وحقيقة، ليس لدينا سواه – لكني لا ألمس أثره. ولعلنا، على رأي اللاعب المعتزل (أبو بكر باني):
نبيع للعالم “مية فول” بدلا من النفط!
* ماء الفول لونه داكن، وقوامه خاثر، يشبه من بعيد النفط الخام. لكنه ليس سوى ماء ملوث!
في الختام
هذه كانت صفحة أخرى من صفحات الذكريات، من حين لآخر أزور ذكرياتي القديمة، وأحن لزمن باد واندثر، ومن الصعب أن نعود إليه مرة أخرى. فليبيا توجهت نحو الرأسمالية المتوحشة، بكل ما فيها من سلبيات. دون التخلي عن رواسب العهد الاشتراكي، بكل ما فيه من سلبيات كذلك. وما بين الرأسمالية، والاشتراكية، ترنحنا، وطال تيهنا.

Leave a Reply