Author: Muaad Elsharif (Page 248 of 324)

التشجير سلاح ضد التصحر وتغير المناخ

في تدوينة اليوم سأخرج قليلَا عن حديث اﻷزمات الراهنة وأتحدث قليلًا عن أزمة مداها أبعد قليلًا لكنها أخطر بكثير وتحتاج إلى وقفة جادة!

بغض النظر ولو لبرهة عن اﻷوضاع المتردية في بلادنا الجريحة، فإن أكثر البلاد استقرارًا في منطقة الشرق اﻷوسط مهددة بخطر داهم يهدد وجودها واستقراراها: التصحر ونقص المياه الصالحة للشرب، والتغير المناخي.

تصحر
بلادنا مهددة بأن تبتلعها الصحراء

لسنا بمعزل عن التغير المناخي العالمي في بلادنا، الكل لاحظ ارتفاع درجات الحرارة اللافت، وبمقارنة سجلات اﻷرصاد الجوية فإن العام الماضي كان أشد اﻷعوام حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة في القرن التاسع عشر!

ليس بإمكاننا الكثير لنفعله في مواجهة التلوث والتصحر وارتفاع درجات الحرارة، لكن يمكننا غرس شجرة! فلنتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا لوهلة:

روى أحمد (12902) ، والبخاري في “الأدب المفرد” (479) ، وعبد بن حميد في “مسنده” (1216) ، والبزار في “مسنده” (7408) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا ) .

ولفظ أحمد : ( إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا ) .

وصححه الألباني في “الصحيحة” (9) .

يحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على غرس اﻷشجار والاهتمام بها، حتى مع هول عظيم مثل يوم القيامة!

اﻷشجار تساهم في الحفاظ على التوازن البيئي وتقوم بتوفير الظل واﻷوكسجين، وهي عوامل مهمة للصحة العامة، من المؤسف تساهل الناس في قطع اﻷشجار و العبث بها، إن الشجرة تحتاج إلى عشرات السنين لتصل إلى حجمها ذلك، ليأتي أحدهم ويقطعها في دقائق ويشعل فيها النيران. مع الوعيد النبوي لمن يتعمد قطع اﻷشجار وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم شجرة السدر بالوعيد في حديثه: 

” .

2970 – عن عبد الله بن حبيش – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار ” . رواه أبو داود وقال : ” هذا الحديث مختصر يعني : من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم غشما وظلما بغير حق يكون له فيها ; صوب الله رأسه في النار ” .

في ظل أزمة الإسكان الخانقة في المدن الليبية توسع المواطنون باتجاه الضواحي والمزارع، والغابات والمحميات، لعل من أبرز اﻷمثلة غابة النصر شرق العاصمة طرابلس التي أصبحت تباع كقطع أراضي للبناء دون رقيب أو حسيب، وغيرها من الغابات والمتنزهات التي ضاعت مع انزلاق البلاد نحو الفوضى.

شجرة المورينجا
صورة لشجرة المورينجا (البان)

هذه الغابات لم توضع عبثًا في أماكنها تلك وهي جزء من مخطط أي مدينة معاصرة، فهي توفر ما يعرف بالحزام اﻷخضر للمدن والذي يعادل درجات الحرارة ويمنع الرياح المحملة باﻷتربة القادمة من الصحراء من الدخول للمدن وما تسببه من أضرار: فهي تعمي الرؤية وتسبب أعراض الحساسية وصعوبة التنفس للكثيرين.

حلقة مفرغة من حرق اﻷشجار وتوليد المزيد من التلوث لتوفير مساكن للمواطنين (خارج المخطط بالطبع) واستعمال أجهزة التكييف التي تضع حملُا على الشبكة الكهربائية التي تحرق الغاز والوقود، فتنقطع الكهرباء، يشغل المواطنون المولدات، وهي تلوث سمعي بصري فعلي! فيزيد التلوث.

بينما لو استخدمت الحكومة محطات كهرباء تعمل بحرق القمامة أو الطاقة الشمسية لكان التوفير عظيمًا، والجمع بين الحلين أفضل بكثير!

مجددًا نعلق فشلنا على شماعة اﻷوضاع الراهنة في بلادنا والتي لم تدع فرصة لفعل أي شيئ!

وهنالك ظاهرة أخرى سلبية وتؤثر بشدة على الصحة العامة، وهي المردومة!

صورة لمردومة في مكان ما!

هذه المراديم باللهجة الليبية هي طريقة لصناعة الفحم النباتي من جذوع وأغصان اﻷشجار بحرقه بطريقة معينة، وسط مساكن الناس!!

مسببة نوبات الحساسية والاختناق وصعوبة التنفس في سبيل الكسب السريع على حساب صحة المواطن وسلامته. ومجددًا الفوضى في البلاد تعني أن بإمكانهم فعل أي شيئ دون خوف من رقيب أو حسيب، هذه التدوينة من مدونة لؤلؤة تحتوي على قصة من معاناة المواطنين مع هذه الممارسات الغير قانونية.

وصية اليوم

وصية اليوم أن نغرس شجرة، ونسقيها ونهتم بها لتعطينا الأوكسجين والظل وتبرد درجة الحرارة، وإن لم تكن شجرة مثمرة يمكن سقيها من مياه المكيف المقطرة لمزيد من التوفير! وأيضا تسميدها بالقمامة العضوية، ما أجمل أن تسقي شجرة وتهتم بها وتعطيها من وقتك فترد عطيتك بالظل الوارف والثمر الشهي اللذيذ!

 هل كنا لنهتم بالأشجار أكثر لو كانت تولد الواي فاي بدلًا من اﻷكسجين؟ لم لا نسأل إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة؟ فشجر النخيل هنالك يولد موجات الواي فاي!!بالطبع ليس نخيل التمر الذي نعرفه جيدَا بل هي نخلة صناعية تولد موجات الواي فاي وتستمد طاقتها من أشعة الشمس، وتوفر أماكن ظليلة للجلوس وشحنَأ للهواتف الذكية!!

نخلة الواي فاي الإماراتية
شكل نخلة الواي فاي الإماراتية في الواقع

 مهما كانت هذه النخلة رائعة وجميلة فهي لن تضاهي صنع الله، فلنزرع اﻷشجار قبل أن نندم أشد الندم! لن نستطيع أن نتنفس وستصبح بلانا صحراء جرداء خالية من أي مظاهر للحياة.

يقول المثل الصيني:

 

أفضل وقت لزراعة شجرة كان منذ عشرين سنة مضت وثاني أفضل وقت هو الآن!

شكرًا لقراءتك هذه التدوينة، وشاركها مع دوائرك على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.

معيدو الكليات والمعاهد التقنية. عمل من دون رواتب!

تنفس المعيدون الصعداء، فقد ورد تعميم من الهيئة الوطنية للتعليم التقني والفني بتمكين المعيدين من مباشرة أعمالهم وإنهاء حالة الجمود التي استمرت لسنتين، وعمم التعميم على كليات ليبيا ومعاهدها وسط فرحة عارمة من المعيدين، بعد انتظار طويل ومؤلم وتضحيات، ولكن..!

وآه من لكن هذه فهي تفسد كل شيئ!

هذا التعميم  يفرض على المعيدين توقيع تعهد بعدم المطالبة بمستحقاتهم المالية حتى صدور الميزانية (أخر ميزانية صدرت للتعليم العالي كانت في سنة 2013) قبل توقيع عقودهم ومباشرة أعمالهم، هل هذا قانوني أساسًا؟  ومتى تصدر هذه الميزانية؟ بعد شهر؟ بعد سنة؟ أم بعد سنتين؟؟ مع العلم أنه لن يتم توقيع أي عقد دون توقيع التعهد بعدم المطالبة بأي مستحقات مالية.

تعميم إدارة الكليات لتمكين المعيدين من مباشرة أعمالهم
التعميم الذي وصل للكليات التقنية
تعميم إدارة المعاهد لتمكين المعيدين من مباشرة أعمالهم
التعميم الذي وصل للكليات التقنية

 المعيد عضو هيئة تدريس متعاون؟

أعضاء هيئة التدريس أحجموا عن التعاون مع كليات أخرى لنفس السبب (عدم صرف مستحقاتهم وعدم وجود ميزانية) وهم يشكلون نسبة كبيرة من إجمالي عدد أعضاء هيئة التدريس في بعض الكليات والمعاهد لتصل إلى 85%  في بعض المؤسسات،  بينما يشكل القارون بالكلية (المتعينون بها) نسبة ضئيلة من الإجمالي.

 هذا العجز يزيد من الضغط على كاهل المعيد المثقل بالهموم و أدى لاعتماد الكليات على المعيدين في تدريس بعض المواد (دون مرتبات بالطبع)  وهو مسموح في حالات معينة، مع أن دور المعيد يقتصر في الأغلب على شرح القسم العملي من المحاضرة وبعض المهام المكتبية وليس شرح المواد بالكامل وتقييم طلاب لا يبتعدون عنه في السن والدرجة العلمية كثيرا!

الإيفاد مات وفات!!

إلغاء الإيفاد للدراسة بالخارج كجزء من حملة إجراءات تقشفية نفذتها حكومة الإنقاذ الوطني في مطلع العام 2016  مع أن السبب الرئيسي الذي يدفع الخريجين للالتحاق بوظيفة المعيد من البداية هو الإيفاد، ما يعني أن حلم تكملة الدراسة بالخارج ذهب أدراج الرياح.
وبالنسبة لخريجي الدبلوم فلا مكان يلجؤون إليه لتكملة الدراسة في ليبيا كما أسلفت في تدوينة سابقة، الأمل الوحيد لهم هو الإيفاد للدراسة بالخارج.
إن كانت الدولة لا تستطيع دفع المرتبات، هل ستتمكن من إيفاد المعيدين للخارج؟!

معيد يبحث عن عمل ليصرف على العمل!!

أي أنه بعد انتظار صدور القرار وتوقيع العقود لسنتين أو ثلاث، يعمل المعيد بدون مقابل مادي في المدى المنظور أو أمل في الإيفاد واستكمال الدراسة، بانتظار تحسن الأوضاع وانفراج الأزمة الراهنة ليتقاضى مرتبه (في حال وجد سيولة في المصرف أساسًا)  في ظل انهيار متسارع للبلاد ووصولها لقعر الهاوية فعليًا.

ويضطر المعيد للبحث عن عمل مؤقت لينفق على نفسه ويتجنب ذل السؤال، وبسبب ازدواجية المرتبات (رغم أنه لا يتقاضى مرتبه بعد) يجب أن يعثر على عمل بدوام جزئي دون تعاقد حتى لا يقع في شرك الدين ليسير أموره اليومية البسيطة معرضًا نفسه للإنهاك والمخاطرة من أجل لقمة العيش.

ترك الوظيفة أم البقاء فيها

 الكثيرون يواجهون الخيار الصعب، ما بين تضييع سنين الانتظار والبدء من الصفر بحثًا عن عمل أخر يسد الرمق، بينما تبدو خيارات التوظيف محدودة للغاية وسوق العمل يعاني بسبب انعدام الصادرات النفطية وسحب كبار التجار والمواطنين أموالهم من المصارف ما خلق أزمة سيولة خانقة. وبين الاستمرار في مطاردة حلم نيل الشهادة العليا وتخريج أجيال من الطلاب بدون مرتبات ودون إيفاد وفرصة لاستكمال الدراسة.

هل ينبغي على من لديه وظيفة تدر عليه دخلًا أن يستقيل عن أداها ويذهب لتوقيع تعهد وعقد وظيفة معيد دون مرتب؟
أعرف الكثيرين ممن غضو الطرف عن أحلامهم واستمروا في أداء وظيفتهم اليومية، باﻷخص ممن يعيل أسرة ولديه التزامات مادية يجب أن يوفي بها، وفي النهاية فالخيار للمعيدين في اختيار المسار الوظيفي الذي  يناسبهم.

هل هذه هي مكافأة الاجتهاد والتفوق والرغبة في خدمة الوطن والرفعة من شأنه؟

ما رأيك أنت عزيزي المعيد، هل ستوقع عقدك وتكافح من أجل تحقيق أحلامك؟ أم أن وظيفتك اليومية والتزاماتك المسبقة أكثر أهمية بالنسبة لك؟

شاركني برأيك، وشارك هذه المقالة على وسائل التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.

طرابلس ثاني أسوأ مدينة للسكن في العالم لسنة 2016

ياله من تقرير مؤسف، يندى له جبين أي شخص يحمل في قلبه مثقال ذرة من الحب لمدينة طرابلس الغرب، عاصمة ليبيا

لم يسرني على الإطلاق مطالعة هذا التقرير الذي صنف عواصم العالم من اﻷفضل للسكنى حتى اﻷدنى لتحل طرابلس الغرب (تمييزًا لها عن طرابلس عاصمة لبنان) ما قبل الأخير متفوقة بمركز واحد على دمشق حاضرة العلم والثقافة التي تربعت على ذيل القائمة.

 رغم معرفتي يقينًا بأنه صحيح كأحد سكانها والمقيمين بها، بل إن الصدمة بالنسبة لي كانت أن طرابلس ليست أسوأ مدينة للسكن في العالم وأن هنالك مدينة في مكان ما من العالم تتفوق على طرابلس في اﻷوضاع المعيشية المتردية، وبما أنها دمشق فالجرح جرحان والنكبة نكبتان، فكلا البلدين بلد مسلم وعربي ونشعر بألم فقدهما كما فقدنا فلسطين والعراق وجنوب السودان، والحبل على الجرار.
يمثل هذا التقرير انهيارًا من مستوى العام الماضي (المنهار أساسًا) حيث كانت طرابلس تحتل المركز الأربعين من ذيل القائمة،  أما هذه السنة فكانت الكارثة!

في البداية نجيب على سؤال: ما هو هذا التقرير بالضبط؟

هذا التقرير يصدر كل سنة عن منظمة المعلومات الاقتصادية التي تقع في لندن (مصدر)، ويسجل مستوى جودة الحياة المدنية حول العالم من عدة معايير مثل: (مصدر) ويقيم جودة الحياة في 140 مدينة حول العالم، هذه المعايير الخمس الرئيسية هي:

  • اﻷمن والسلامة
  • التعليم
  • الرعاية الصحية
  • الثقافة والبيئة
  • البنية التحتية

وتنقسم هذه المعايير إلى اكثر من 30 معيارًا للقياس. وكلنا نعرف كم انهارت هذه المعايير الضرورية للحياة في ليبيا وتستمر بالانزلاق ودون الحاجة إلى مقياس!

أوجه للحياة في طرابلس المنكوبة

  • طرابلس التي كانت مدينة قبل أن تكون المدن، وحاضرة قبل أن تكون الحواضر، كل زاوية منها وكل ركن يشع بالثقافة والتراث وعبق التاريخ، وتشهد لها بين مدن العالم بالعراقة والأصالة، أصبحت سجنًا مفتوحًا لسكانها (الذين يفوق عددهم المليون ونصف بأقل تقدير) والكثيرون منهم لا يجدون جواز سفر يدخلهم حتى إلى الشقيقة تونس لتلقي العلاج، خاصة بعد انهيار المنظومة الصحية في ليبيا وإعلان حالة الطوارئ من بعثة اﻷمم المتحدة، إن كانت هنالك أذن صاغية.
  • طرابلس عاصمة بلد نفطي غني بالثروات تقطع الكهرباء على سكانها لساعات طويلة دون رحمة أو شفقة (مع أن المدن المجاورة لا تقطع عنها الكهرباء مطلقًا) لتعيدها لعصور الظلام قبل أن يسرق أديسون اختراع لمبة التنجسيتن.
  • سكانها لا يقدرون على سحب مرتباتهم من المصارف، البلاد قذرة ومزدحمة ولم يبنى فيها مشروع منذ خمس سنين عجاف، طرقها محطمة ومليئة بالحفر والمطبات العشوائية والقمامة تتناثر على جوانبها.
  • عاصمة حرمت اﻷمن واﻷمان والطمأنينة، كل يوم تحدث فيها حوادث السلب والنهب والسرقة بالإكراه والخطف والقتل، وسط تخاذل من سكانها وتجاهل حكامها أيا كانوا، ففي ظل الانقسام السياسي والفوضى لا يعرف أحد من يحكم اليوم في ليبيا.
  • تتجول فيها العصابات جهارًا نهارًا دون خوف من العباد ولا خالقهم ودون وجود أي تواجد للشرطة أو أي جهاز أمني يحمي المواطن ويصون حقوقه، بل على العكس.
  • الغلاء سمة كل البضائع وكل الخدمات بحجة الدولار، وتضاعفت اﻷسعار عدة مرات مقارنة بأعوام قليلة خلت، مع نقص السيولة كما أسلفنا.
  • تنام وتصحو على أزيز الرصاص وهدير المولدات وضجيجها الذي يصم الاذان ويخنق تلوثها اﻷنفاس.

وهذه فقط الأفكار التي فكرت بها، تحدثت من وجهة نظري ونسيت معاناة النازحين والمهاجرين غير الشرعيين، والناس الذين قذف بهم التغيير السياسي والاقتصادي تحت خط الفقر والذين لا يجدون قوت يومهم ودواء مرضهم.

 طرابلس الجريحة

طرابلس بدلَا من أن تكون وجه ليبيا وعنوان نهضتها وحضارتها صارت سلة قمامة ليبيا ومكب نفاياتها، مالذي تبقى من هذه المدينة المسكينة غير الركام ومن سيتبقى بعد أن ينجلي غبار هذه المأساة؟

هذه المدينة التي أوت الملايين من الليبيين والعرب واﻷجانب تجد نفسها وحيدة يوم مرضها وعجزها بعد أن تخلى عنها الكل وأداروا لها ظهورهم، وبعد أن دمر ما تبقى منها، هي تطلب منكم أن تقفو بجوارها في محنتها وحتى يقضي الله أمرًا.

علاقتنا بهذه المدينة كعلاقة الأم بأبنائها، قد تغضب عليهم وتنزل عليهم سخطها، ولكنها تعود لتحتضنهم وتقبلهم وتستقبلهم باﻷحضان، وهم يدركون أنه رغم كل عيوبها وزلاتها وقصورها، أنه ليس لهم غيرها..

طرابلس قبل التغيير (2010)

 لنكون عادلين بشكل كامل فإن طرابلس لم تكن تحتل المراتب العشر اﻷولى قبل التغيير السياسي ثم انهارت بشكل كلي لتصل إلى ذيل الترتيب هذه السنة، هذا لا جدال فيه!
الواقع أن تقييم طرابلس تدنى واستمر بالانحدار من مستواه في سنة 2010 حتى وصل إلى أدنى مرتبة في هذه السنة، المخطط يوضح مستوى المعيشة في طرابلس في سنة 2010 ويقارنها بسنة 2015 حيث 100 نقطة تعادل ظروفًا معيشية مثالية، طرابلس كانت فوق الستين بقليل، وانخفضت حتى اﻷربعين في سنة 2015، ووصلت الصفر في هذه السنة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

صورة للتقييم من سنة 2016 يمكن من خلالها تتبع مستوى مدينة طرابلس المعيشي من ذيل القائمة.

طرابلس لم تكن جنة الله على الأرض، كان بها مشاكلها الخاصة وزحامها والكثير من الأمور التي استخدمت حجة لقلب نظام الحكم، هذا الترتيب المتدني نسبيا وتلك الظروف والمشاكل صارت حلمًا بعيد المنال لسكان طرابلس المنكوبة.

تحديث مؤسف:الشواطئ ملوثة بمياه الصرف الصحي!

أعلن مجلس طرابلس البلدي في بيان نشرته وكالة اﻷنباء الليبية وال أن شواطئ مدينة طرابلس ملوثة بمياه الصرف الصحي وأنها غير صالحة للسباحة ولا لإقامة محطات التحلية أو صيد السمك، ووجود أنواع متنوعة من الملوثات البكتيرية والفيروسية والطفيلية والعضوية (ما شاء الله!!) والتي أثبتت وجودها تحاليل أجريت على أنواع مختلفة من اﻷسماك والثلج المستخدم في حفظ اﻷسماك، وأن ذلك سيستمر حتى تفعل وحدات معالجة مياه الصرف الصحي بكامل طاقتها قبل تصريفها في البحر (مصدر)

شخصيًا لم أعلم أن هنالك مجلسًا بلديًا لطرابلس قبل قراءة هذا الخبر!!

طرابلس، فبراير 2011

أختم تدوينتي بصورة لطرابلس التقطها وافد من غانا في شهر فبراير 2011 قبل أن يعود إلى غانا ويترك طرابلس إلى غير رجعة.

لا تنس مشاركة هذه التدوينة مع أصدقائك كي تصل لأكبر جمهور ممكن، وهذا رابط التقرير باللغة الإنجليزية لمن أراد الاستزادة منه ومعرفة المدن التي احتلت رأس القائمة كأفضل مدن للسكن.

ما بين أولمبياد أتلانتا وأولمبياد ريو

شعار أولمبياد سنة 1996

هذه اﻷيام تحضرني ذكريات سنة 1996 ،وتحديدًا اﻷلعاب الأولمبية في أتلانتا كانت الحدث اﻷبرز في ذلك الصيف، كانت الظروف مشابهة لظروفنا الحالية نوعًا ما، بل إن ظروفنا الحالية أسؤا بكثير مما كانت عليه منذ 20 سنة مضت (لا أعلم إن كانت ليبيا شاركت ببعثة في أولمبياد تلك السنة أم لا).

 كان المنفذ الوحيد لمشاهدة اﻷلعاب اﻷولمبية هي قناة الشقيقة تونس، والتي كنا نستقبلها بصعوبة بالغة رغم أن العاصمة تونس لا تبعد أكثر من 500 كم عن طرابلس، وطبعًا فالقناة الحكومية (الوحيدة) ما كانت لتقطع حلقات مسلسل Roots الشهير لتبث اﻷلعاب اﻷولمبية، بل كانت تبث منافسات اﻷلعاب الشعبية كقفز الجرد والكرة والمعيكيف، مع وصلات تراثية أفريقية تستمر لساعات أحيانا، وبطولة الفاتح للفروسية ومسابقات الشعر الشعبي وما إلى ذلك من الترفيه الخالص.

اﻷحوال الإقتصادية والمعيشية سنة 1996

كان سعر الدولار في السوق السوداء (سودة على رؤوسهم إن شاء الله) مرتفعًا بسبب العقوبات الإقتصادية على ليبيا لتورطها في تفجير طائرة( بان – أم) فوق مدينة لوكربي الأسكتلندية ومقتل جميع ركابها، والغلاء كان متفشيًا والناس في حال صعبة (كما هو الحال اليوم).

لم تكن الكهرباء تقطع على الإطلاق (ولو قطعت فهذا دليل وجود عطل ما ويتم إصلاحه بأسرع وقت ممكن)، ولا أتذكر أن المصارف كانت خالية من السيولة النقدية بل كانت متوافرة رغم تأخر المرتبات لبعضة أشهر أحيانًا.

كما أن اﻷمن كان مستتبًا في تلك الأيام، على عكس الإنفلات والفوضى التي لا تخفى على أحد والتي نعاني منها اليوم.
لم تكن هنالك رحلات طيران من وإلى ليبيا، فكانت الموانئ هي المنفذ الوحيد للسفر إلى مالطا أو تونس لركوب الطائرات من هناك.
الجمعيات الإستهلاكية كانت توفر الحاجات اﻷساسية للمواطن بسعر زهيد مقارنة بالتكلفة، لم يكن الشعب جائعًا في سنة 1996!

اليوم وبعد مرور عشرين سنة

الكهرباء تقطع يوميًَا مالا يقل عن ست ساعات (يعتمد هذا السطر على مكان إقامتك)، والسيولة غير متوفرة في المصارف إطلاقًا، ولو كان الوقوف في الطوابير رياضة أولمبية لحققنا فيها المراكز اﻷولى وظفرنا بقصب السبق دون منازع! كما أن الدولار يناطح الدينار ويعتدي على ما تبقى من شرفه، طوبى لتجار الحروب واﻷزمات في كل وقت.

السلع التموينية غير مدعومة كما كانت منذ عشرين سنة، لا أعلم إلى أين ذهبت الجمعيات الإستهلاكية التي كانت توفر بعض العزاء للمواطن المطحون، لكنها أستبدلت بجشع التجار الذين لا يتوانون عن رفع اﻷسعار كلما حدث حادث بحجج واهية (ولا تعود لتهبط حين ينقضي الظرف)، رغم أن معظمهم يحصل على إعتمادات نقدية بسعر صرف الدولار من المصرف المركزي.

كل يوم يموت المرضى في المستشفيات الليبية نتيجة نقص المعدات والأدوية والعناصر الطبية، وبعض المستشفيات أقفلت أبوابها بالكامل نتيجة لتردي اﻷوضاع، والمصحات الخاصة صارت ترفض إستقبال المرضى بحجج واهية ليموت المواطنون بين العيادات والمستشفيات.

أما التمثيل الليبي في أولمبياد ريو فأعتذر عن التدوين عنه وذلك بسبب أنني مصاب بالقرحة وقد نفذ مني الدواء مؤخرًا..
ورغم تنوع القنوات الإعلامية الليبية فإنها كغثاء السيل على أفضل تقدير، لا هم لها سوى تأجيج نار الفتنة ودق طبول الحرب وتمزيق اللحمة الوطنية (بضم اللام وليس فتحها)، لا أعلم إن كانت تبث أولمبياد ريو، ولست مهتما بصراحة!

الشعب الليبي في سنة 2016 يعاني الجوع والظلام والمرض، ولديه فائض من الحكومات ولجان الحوار وإعداد الدساتير والتعديلات والمبعوثين اﻷمميين والجيوش والسرايا والكتائ.. إلخ

كنت قد تحدثت عن هذا في تدوينة سابقة بالتفصيل، للأسف لا تطور في الوضع حتى الساعة.

تصور منعش

ربما لو عاد أحد المغتربين الذي غادر ليبيا في تلك السنة اليوم لكان أول ملاحظة له هي: “معقولة شعب جيعان زي هذا عنده نت ويخش عالفيس؟ تي مش لاقيين ما تاكلو راكم”، ثم كان ليضيف: “حي ركبتوا ستلايت”؟ ويقصد أن الإنترنت وصحون الإستقبال دخلت معظم منازل ليبيا، وهذا لم يكن متوفرًأ في سنة 1996 (الستلايت كان حكرًا على من يستطيع دفع 3000 دينار لإمتلاكه، تقريبًا مرتب سنة ونصف في ذلك الحين).

 

يا مرحبا بالذكريات!

حتى السفر بالمراكب أصبح له سوق مجددًا رغم أن الكثيرين لا يمتلكون جوازات سفر، ولا توجد في ليبيا سفارات أصلًا لتتحصل منها على التأشيرات، بعد إرتفاع أسعار تذاكر الطيران مجددًا، لأسباب تتعلق بالدولار.

عمر اﻷزمة

إلى متى تستمر هذه اﻷزمة؟ أشد الناس تفاؤلا يبدو سوداويًا حين الحديث عن هذا الموضوع، فمن الواضح أن هنالك أطرافًا مستفيدة من إطالة زمن معاناة الليبيين، ولذلك فإن اﻷزمة قد تطول، ربما لا تعلم أن الفلسطينين في سنة 1948 خرجوا من منازلهم بثيابهم التي عليهم ظنًا أنهم سيعودون إليها قريبًا، اليوم الجيل الثالث بعد النكسة لا يزال يعيش في الشتات، نحن شعوب شديدة الصبر كما يبدو!!
كما أن تكيف الليبيين مع ظروف اﻷزمة يجعلني أعتقد أن اﻷزمة ستطول، غريزة البقاء تتفوق على كل شيئ في هذه الحالة.

مشاهدات المدونة ترتفع، ما السبب؟

لا بد أنه يوم الخميس! أعرف ذلك دون النظر إلى الرزنامة، فمشاهدات مدونتي ترتفع في هذا اليوم تحديدًا دونًا عن غيره، الفضل في ذلك يرجع لأنه اليوم الوحيد الذي تفتح فيه منظومة الجوازات، ما يجلب الزوار لسلسلة التدوينات حول الجوازات، والتي لا تتناسب مشاهداتها إطلاقًا مع عدد التعليقات القليل والمتفرق والذي لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة (ونصفه بالطبع يرجع لي فأنا أحاول الرد على كل من يعلق على مدونتي!).

لم أسمع ولا كلمة شكر واحدة على المجهود الذي أقوم به،  ربما يجب أن أضع طابورًا أمام المدونة ليقدروا مجهوداتي أو أن أفتحها يومًا واحدًا في اﻷسبوع (أنا أمزح طبعًا).

ختامًا

أقتطعت من وقتي الثمين لألتقط أنفاسي المتقطعة من الجري بين الطوابير بحثًا عن رغيف الخبز ومن رياضة الوقوف في طابور المصرف لسحب ملاليم قليلة لا تسد جوعًا، مستغلًا فرصة رجوع الكهرباء بعد إنقطاع ماراثوني دام قرابة يوم كامل، لأدون في هذه المدونة بعضًا من اﻷفكار التي تجول بخاطري مؤخرًا، قبل أن تطالها سياسة التقشف ويصير التدوين رفاهية لا يمكنني تحملها، لتنضم إلى قائمة طويلة من الرفاهيات التي طرحت بفعل الواقع القاسي، تبدأ من كوب القهوة ردئ الصنع مرورًا بتكملة تعليمي والتحصل على شهادة عليا أو الإستقرار أخيرا والزواج وتكوين أسرة لا سمح الله!!

لأي شخص فاتته التسعينات في ليبيا أو لم يولد خلالها ليعاصرها، أبشر!!قد عادت وعليها فوائد مركبة!

ما تعليقك على هذه التدوينة، شاركها مع من تحب وساعدني على نشر مدونتي 🙂

« Older posts Newer posts »