Category: Pages from my life (Page 8 of 8)

في عشق خواتم الفضة

كبداية أعلم أن العنوان كليشيه مبتذل، في هذه الحالة هو ينطبق تماما ويخلع عنه صفة الكليشيه، أنا فعلا أعشق خواتم الفضة!

الحب اﻷول!

لا زلت أتذكر أول خاتم اقتنيته كأنه كان بالأمس، كان يوما دافئا من شهر فبراير لعام 2010 وقررت الاحتفال بنجاحي الدراسي وتجاوزي عقبة كانت تبدو في وقتها مستحيلة بشراء خاتم من الفضة، وفعلا توجهت مع شقيقي إلى المدينة القديمة في إيفيكو (وياله من خيار سيء للركوب) لنطلع على الخواتم الموجودة بالسوق. كانت الخيارات كثيرة ومتنوعة جدًا!

Silver sterling ring copper plated 925
أول خاتم اشتريته من الفضة المطعمة بالنحاس

من الخواتم الشعبية المعروفة لدينا بالشعلة إلى الخواتم المطعمة بالمرمر والياقوت والتي تعدى ثمنها الألف ومئتين دينار ليبي وقتها (الدولار كان بدينار وثلاثمئة درهم في السوق السوداء)، لكنني كنت أبحث عن شيء مختلف – رغم أن سعر غرام الفضة لا يتعدى الدينار وربع في ذلك الوقت -.

برج الساعة بالمدينة القديمة طرابلس
برج الساعة بالمدينة القديمة طرابلس

نظرة مجتمعية قاصرة

حين وصفت طلبي لبعض التجار نهروني وقالوا لي أنه “مش كويس” بحجة أن الخاتم الذي طلبته يشبه دبلة الزواج (المحبس) التي يرتديها الرجل حين يتزوج، وأنه لا يليق لشاب أعزب أن يرتدي خاتمًا بهذا الشكل! طبعًا لم ألق لكلامهم بالًا لعلمي يقينا أن هذه الدبلة أو المحبس عند الزواج ليست من الدين وليس هنالك نهي عن لبس خاتم الفضة، بل هو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم! وحدد الفقهاء شروطًا شرعية للإختتام لست بصدد ذكرها الآن.

من لا يستطيع الابتسام لا يفتح دكانًا

هؤلاء كانوا التجار الذين تكرموا كفاية بسماع ما لدي، فمعظمهم يكتفي بمط شفتيه والإشارة للبضاعة في الفترينة ولسان حاله يقول (كل شي قدامك) دون الالتفات لطلب الزبون أو الاستماع له، وهنا أريد أن أعرج على بعض الثقافات الأخرى وكيفية معاملتها للزبائن:  ففي أمريكا مثلا تعمل كثير من المتاجر بقاعدة: الزبون دائما على حق، وفي الصين يجرى إمتحان لإبتسامة الشخص قبل أن يعطى ترخيصًا للتجارة! الصين الملحدة تطبق هذه القوانين؟! ما أحوجنا أمة محمد لتطبيق سنة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي يحثنا على الابتسامة وحسن المعاملة!

عثرنا على المراد

بعد تنقلنا في عدد من المتاجر وصلنا محلا في نهاية زقاق من أزقة المدينة القديمة بقرب حمام درغوت، وهناك وجدنا تاجرًا طليق الوجه عرض بضاعته علينا ولم يبالغ في السعر، ولديه عثرت على ضالتي، ورغم أن الخاتم كان ضيقًا إلا أنه أعطاه لمحل ليوسعه لي على نفقته! وعندما تحدثت للصائغ سمح الصدر أجابني أن مهنة الحجر الكريم تحتاج لسعة الصدر ومعاملة الناس بالحسنى، لا التكشير في وجوههم.

زنقة جامع درغوت
زنقة جامع درغوت

مرت أزمنة وسقطت أنظمة وضاع الخاتم “بطريقة ما” وقررت أن أستبدله، وكانت كل رحلة إلى المدينة القديمة بالنسبة لي بحثًا عن خواتم الفضة كرحلة في أرض العجائب، مليئة بالتشويق والإثارة كالتي يحس بها صائد الكنوز، لأني اعلم يقينا أنني سأعثر على كنز مخفي وسط الأتربة والغبار، وقليلًا ما كان ظني يخيب!

عصر خواتم الفولاذ!

مؤخرًا لم أعد أجد ضالتي بسهولة، فالخواتم التي أفضلها (دبل عراض) صارت قليلة ونادرة بسبب ارتفاع سعر الدولار (والفضة من جهة) وبسبب تواجد خواتم الفولاذ (Stainless Steel) التي تفنن التجار في عرضها، وللحقيقة فإنها تبدو كخواتم الفضة تمامًا، وهي أرخص ثمنًا وأكثر تنوعًا في الألوان، بل إنها تأتي بألوان لا تأتي عليها الفضة عادة كاللون الأسود والأزرق والأحمر! فالتلوين في الفضة عادة يأتي من (الفص) المثبت في الخاتم من الأعلى.

خواتم الفضة التي رأيتها في الإعلان ورغبت في اقتناء مثلها!

بل إنه عندما كنت أبحث عن خاتم أخر مرة نشرت إعلانًا على سوق ليبيا المفتوح شوهد أكثر من 2000 مرة ونشرت عدة تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي تويتر دون أن أعثر على شيء، بل إن معظم التعليقات كانت على طراز (كان لقيت جيبلي معاك) وشخص تواصل معي من خارج مدينة طرابلس ولم يكن بوسعي الذهاب إلى مدينته للإطلاع على بضاعته التي لم ترق لي أساسًا!
ولم أعثر على الخاتم المذكور إلا بمصادفة جميلة وأنا ذاهب لقضاء بعض المشاوير!

كشخص جرب خواتم الفضة وخواتم الفولاذ، فإنني أفضل خواتم الفضة بمليون مرة على خواتم الفولاذ!

لماذا خواتم الفضة أفضل؟

  • هي من السنة، خواتم الفضة هي الزينة المباحة للرجل، لا خواتم الحديد والفولاذ.
  • الفضة أجمل شكلُُا من خواتم الفولاذ، ولا يتغير شكلها مع الوقت، بينما الفولاذ يبهت طلاؤه مع الوقت ويخدش.
  • خواتم الفولاذ باردة وقاسية على الأصابع، على عكس الفضة الدافئة (أظن أن الفضة تستمد حرارتها من جسم الإنسان، بينما الفولاذ لا يتأثر بتلك الحرارة).
  • رنين خاتم الفضة حين يقع على الأرض أو تقرعه بإصبعك جميل وهادئ، بينما الفولاذ كفيل بكسر الأرض وإيذاء إصبعك المغامر!

كم خاتما امتلكت؟

من الصعب أن أقدر عددهم بالتحديد، لأنني أهديت أحد الخواتم وقايضت الأخر، وتحطم أحدها بينما فقد اثنان بطريقة غامضة لا أجد لها تفسيرًا! لكنها أقل من عشرة بكل تأكيد! لدي كشف كامل بكل الخواتم التي اشتريتها يفصل الثمن والحالة والشكل والمصير الذي أل إليه كل خاتم ولكنني أعتذر عن نشره هنا!

كم خاتمًا لدي الأن؟

واحد من الفضة أرتديه غالبًا، والأخر من الفولاذ يقبع في علبة صغيرة داخل أحد الأدراج، لم أعد بحاجة إليه في الحقيقة!
أصبحت معتادًا على لبس الخاتم إلى درجة أنني لو لم ألبسه سأشعر كأنني بدون ملابس أمام الناس! ويحدث كثيرًا أن أشعر كأنني أرتديه وأنا لا أرتديه لأنني لست معتادًا أن تلامس أصابعي بعضها من مكان معين!

Stainless steel ring
خاتم من الفولاذ

كيفية تنظيف خواتم الفضة

خواتم الفضة بحاجة إلى العناية والاهتمام شأنها شأن أي شيء تمتلكه وترغب في المحافظة عليه، حتى ولو لم يتسخ الخاتم بشكل مباشر فإن الأكسدة (تعرض الفضة للهواء الجوي والعوامل الطبيعية وضوء الشمس) كفيل بتغيير لون الخاتم من اللون الفضي اللامع الجميل إلى لون رمادي باهت لا يلمع! والحل بسيط جدًا!

  • من الممكن استعمال ملمع للفضة، يتوافر هذا المستحضر في محلات مواد التنظيف ويجب استعماله بحذر شديد لأنه شديد السمية! وفي حالة أنك تفضل حلا أكثر بساطة وأقل خطورة، فقد أتيت للمكان الصحيح!
  • الكثير من المستحضرات المنزلية يمكنها تنظيف خواتم الفضة بشكل فعال جيد، مثل صابون الجلي وعصير وقشر الليمون، لكن اللمعان والنظافة التي توفرها يكون مؤقتًا ويزول بعد عدة ساعات.
  • كما أن أسوأ ما يمكن عمله لخاتم الفضة تعريضه للأحماض والقلويات (كالوراكينة مثلا) فهي تسبب بقعًا صعبة الإزالة على سطح الخاتم! والكحول الإيثيلي لا يجدي مع الفضة نفعًا!
  • البنزين خطير ويترك رائحة كريهة لا تزول بسهولة!
  • المستحضر المنزلي الذي ينظف الفضة ويلمعها بشكل رائع هو بيكربونات الصودا مع الماء الدافئ، فهي تتفاعل مع الفضة محدثة فقاعات غازية وفور زوالها يمكن غسل الفضة بالماء والحصول على نتائج مبهرة.
  • كما أنني وجدت أن حك سطح الخاتم بقطعة من الورق بواسطته تنظيف الخاتم من الأتربة والعرق والأوساخ، ويمكن جمع الطريقتين معًا لأفضل نتيجة ممكنة! (الدعك بالورقة ثم النقع في ماء مذاب فيه بيكربونات الصودا).
  • ورنيش اﻷحذية كان مفاجئًا! فقد وجدت أنه يملأ الشقوق في الخاتم بشكل جيد، ثم بعد تنظيفه يترك لمعانًا يدوم لفترة، شريطة أن تتحمل الرائحة لبعض الوقت!

ختاما

بعض الشباب مهووس بالدراجات النارية والسيارات، البعض الأخر مهووس بكرة القدم، بينما أنا شغوف بالخواتم!  ويمكنني معرفة الكثير عن الشخص أمامي بمجرد النظر إلى الخاتم الذي يرتديه، لا تصدقني؟ تعال لمقابلتي وأنت ترتدي خاتمك المفضل وسأعطيك تحليلًا مفصلا لشخصيتك، بمقابل مجز بالطبع!

شكرًا لك على قراءة هذه التدوينة. هل لديك خاتم؟ متى اشتريته ومن أين؟ أود لو تنشر له صورة لأراه!

ما بين أولمبياد أتلانتا وأولمبياد ريو

شعار أولمبياد سنة 1996

هذه اﻷيام تحضرني ذكريات سنة 1996 ،وتحديدًا اﻷلعاب الأولمبية في أتلانتا كانت الحدث اﻷبرز في ذلك الصيف، كانت الظروف مشابهة لظروفنا الحالية نوعًا ما، بل إن ظروفنا الحالية أسؤا بكثير مما كانت عليه منذ 20 سنة مضت (لا أعلم إن كانت ليبيا شاركت ببعثة في أولمبياد تلك السنة أم لا).

 كان المنفذ الوحيد لمشاهدة اﻷلعاب اﻷولمبية هي قناة الشقيقة تونس، والتي كنا نستقبلها بصعوبة بالغة رغم أن العاصمة تونس لا تبعد أكثر من 500 كم عن طرابلس، وطبعًا فالقناة الحكومية (الوحيدة) ما كانت لتقطع حلقات مسلسل Roots الشهير لتبث اﻷلعاب اﻷولمبية، بل كانت تبث منافسات اﻷلعاب الشعبية كقفز الجرد والكرة والمعيكيف، مع وصلات تراثية أفريقية تستمر لساعات أحيانا، وبطولة الفاتح للفروسية ومسابقات الشعر الشعبي وما إلى ذلك من الترفيه الخالص.

اﻷحوال الإقتصادية والمعيشية سنة 1996

كان سعر الدولار في السوق السوداء (سودة على رؤوسهم إن شاء الله) مرتفعًا بسبب العقوبات الإقتصادية على ليبيا لتورطها في تفجير طائرة( بان – أم) فوق مدينة لوكربي الأسكتلندية ومقتل جميع ركابها، والغلاء كان متفشيًا والناس في حال صعبة (كما هو الحال اليوم).

لم تكن الكهرباء تقطع على الإطلاق (ولو قطعت فهذا دليل وجود عطل ما ويتم إصلاحه بأسرع وقت ممكن)، ولا أتذكر أن المصارف كانت خالية من السيولة النقدية بل كانت متوافرة رغم تأخر المرتبات لبعضة أشهر أحيانًا.

كما أن اﻷمن كان مستتبًا في تلك الأيام، على عكس الإنفلات والفوضى التي لا تخفى على أحد والتي نعاني منها اليوم.
لم تكن هنالك رحلات طيران من وإلى ليبيا، فكانت الموانئ هي المنفذ الوحيد للسفر إلى مالطا أو تونس لركوب الطائرات من هناك.
الجمعيات الإستهلاكية كانت توفر الحاجات اﻷساسية للمواطن بسعر زهيد مقارنة بالتكلفة، لم يكن الشعب جائعًا في سنة 1996!

اليوم وبعد مرور عشرين سنة

الكهرباء تقطع يوميًَا مالا يقل عن ست ساعات (يعتمد هذا السطر على مكان إقامتك)، والسيولة غير متوفرة في المصارف إطلاقًا، ولو كان الوقوف في الطوابير رياضة أولمبية لحققنا فيها المراكز اﻷولى وظفرنا بقصب السبق دون منازع! كما أن الدولار يناطح الدينار ويعتدي على ما تبقى من شرفه، طوبى لتجار الحروب واﻷزمات في كل وقت.

السلع التموينية غير مدعومة كما كانت منذ عشرين سنة، لا أعلم إلى أين ذهبت الجمعيات الإستهلاكية التي كانت توفر بعض العزاء للمواطن المطحون، لكنها أستبدلت بجشع التجار الذين لا يتوانون عن رفع اﻷسعار كلما حدث حادث بحجج واهية (ولا تعود لتهبط حين ينقضي الظرف)، رغم أن معظمهم يحصل على إعتمادات نقدية بسعر صرف الدولار من المصرف المركزي.

كل يوم يموت المرضى في المستشفيات الليبية نتيجة نقص المعدات والأدوية والعناصر الطبية، وبعض المستشفيات أقفلت أبوابها بالكامل نتيجة لتردي اﻷوضاع، والمصحات الخاصة صارت ترفض إستقبال المرضى بحجج واهية ليموت المواطنون بين العيادات والمستشفيات.

أما التمثيل الليبي في أولمبياد ريو فأعتذر عن التدوين عنه وذلك بسبب أنني مصاب بالقرحة وقد نفذ مني الدواء مؤخرًا..
ورغم تنوع القنوات الإعلامية الليبية فإنها كغثاء السيل على أفضل تقدير، لا هم لها سوى تأجيج نار الفتنة ودق طبول الحرب وتمزيق اللحمة الوطنية (بضم اللام وليس فتحها)، لا أعلم إن كانت تبث أولمبياد ريو، ولست مهتما بصراحة!

الشعب الليبي في سنة 2016 يعاني الجوع والظلام والمرض، ولديه فائض من الحكومات ولجان الحوار وإعداد الدساتير والتعديلات والمبعوثين اﻷمميين والجيوش والسرايا والكتائ.. إلخ

كنت قد تحدثت عن هذا في تدوينة سابقة بالتفصيل، للأسف لا تطور في الوضع حتى الساعة.

تصور منعش

ربما لو عاد أحد المغتربين الذي غادر ليبيا في تلك السنة اليوم لكان أول ملاحظة له هي: “معقولة شعب جيعان زي هذا عنده نت ويخش عالفيس؟ تي مش لاقيين ما تاكلو راكم”، ثم كان ليضيف: “حي ركبتوا ستلايت”؟ ويقصد أن الإنترنت وصحون الإستقبال دخلت معظم منازل ليبيا، وهذا لم يكن متوفرًأ في سنة 1996 (الستلايت كان حكرًا على من يستطيع دفع 3000 دينار لإمتلاكه، تقريبًا مرتب سنة ونصف في ذلك الحين).

 

يا مرحبا بالذكريات!

حتى السفر بالمراكب أصبح له سوق مجددًا رغم أن الكثيرين لا يمتلكون جوازات سفر، ولا توجد في ليبيا سفارات أصلًا لتتحصل منها على التأشيرات، بعد إرتفاع أسعار تذاكر الطيران مجددًا، لأسباب تتعلق بالدولار.

عمر اﻷزمة

إلى متى تستمر هذه اﻷزمة؟ أشد الناس تفاؤلا يبدو سوداويًا حين الحديث عن هذا الموضوع، فمن الواضح أن هنالك أطرافًا مستفيدة من إطالة زمن معاناة الليبيين، ولذلك فإن اﻷزمة قد تطول، ربما لا تعلم أن الفلسطينين في سنة 1948 خرجوا من منازلهم بثيابهم التي عليهم ظنًا أنهم سيعودون إليها قريبًا، اليوم الجيل الثالث بعد النكسة لا يزال يعيش في الشتات، نحن شعوب شديدة الصبر كما يبدو!!
كما أن تكيف الليبيين مع ظروف اﻷزمة يجعلني أعتقد أن اﻷزمة ستطول، غريزة البقاء تتفوق على كل شيئ في هذه الحالة.

مشاهدات المدونة ترتفع، ما السبب؟

لا بد أنه يوم الخميس! أعرف ذلك دون النظر إلى الرزنامة، فمشاهدات مدونتي ترتفع في هذا اليوم تحديدًا دونًا عن غيره، الفضل في ذلك يرجع لأنه اليوم الوحيد الذي تفتح فيه منظومة الجوازات، ما يجلب الزوار لسلسلة التدوينات حول الجوازات، والتي لا تتناسب مشاهداتها إطلاقًا مع عدد التعليقات القليل والمتفرق والذي لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة (ونصفه بالطبع يرجع لي فأنا أحاول الرد على كل من يعلق على مدونتي!).

لم أسمع ولا كلمة شكر واحدة على المجهود الذي أقوم به،  ربما يجب أن أضع طابورًا أمام المدونة ليقدروا مجهوداتي أو أن أفتحها يومًا واحدًا في اﻷسبوع (أنا أمزح طبعًا).

ختامًا

أقتطعت من وقتي الثمين لألتقط أنفاسي المتقطعة من الجري بين الطوابير بحثًا عن رغيف الخبز ومن رياضة الوقوف في طابور المصرف لسحب ملاليم قليلة لا تسد جوعًا، مستغلًا فرصة رجوع الكهرباء بعد إنقطاع ماراثوني دام قرابة يوم كامل، لأدون في هذه المدونة بعضًا من اﻷفكار التي تجول بخاطري مؤخرًا، قبل أن تطالها سياسة التقشف ويصير التدوين رفاهية لا يمكنني تحملها، لتنضم إلى قائمة طويلة من الرفاهيات التي طرحت بفعل الواقع القاسي، تبدأ من كوب القهوة ردئ الصنع مرورًا بتكملة تعليمي والتحصل على شهادة عليا أو الإستقرار أخيرا والزواج وتكوين أسرة لا سمح الله!!

لأي شخص فاتته التسعينات في ليبيا أو لم يولد خلالها ليعاصرها، أبشر!!قد عادت وعليها فوائد مركبة!

ما تعليقك على هذه التدوينة، شاركها مع من تحب وساعدني على نشر مدونتي 🙂

في رثاء حمزة

سبع سنين مرت منذ توفى صديقي حمزة في حادث أليم، اليوم لا يوافق الذكرى السنوية لوفاته ولا ذكرى أي شيئ أخر، تصادف أنه قد عثرت على مدونتي القديمة التي أنشأتها فور انتقاله للرفيق اﻷعلى والتي كانت طريقتي في تخليد ذكرى صديقي الذي بدا أن الكل نساه، لا زلت أذكر ابتساماتهم في المقبرة وضحكهم وحديثهم في أمور الدنيا الفانية وحمزة لم يجف ترابه بعد، وهنا رجعت بالذاكرة إلى تلك النقطة من الزمن.


لم يتوفى حمزة في اشتباك أو “دعكة” خاوية من المعنى والمضمون، بل مات في حادث مروري قبل أن يقع السلاح في أيدي المدنيين ونصبح (الشعب المسلح) بالفعل، وبدلًا أن نحارب الصهاينة وأعداء الوطن كما ينبغي “للشعب المسلح الغير قابل للهزيمة” تفننا في نبش الخصومات والعداوات القديمة وإذكاء نار الفتن وإفناء بعضنا بعضًا.

اضطررت لاستعادة كلمة السر عبر عملية طويلة ومعقدة، فقد ألغيت بريدي الإلكتروني الذي سجلت به تلك المدونة لذا انعدمت فرص استردادها بتلك الوسيلة، وبعد العديد من المحاولات المضنية استعدت مدونتي القديمة ومعها ذكريات مشوشة عن واقع لم يعد موجودًا، ولدهشتي كانت المدونة خالية! لا أذكر لماذا لم أكتب أي شيئ فيها أو أعبر عن طوفان المرارة الذي كان يموج بداخلي؟!

موت حمزة المفاجئ أثر علي بشكل مباشر وشخصي (بالإضافة لظروف أخرى كنت أمر بها)، حمزة كان زميلي في المعهد وصديقي وكنا نسكن نفس المدينة قبل أن أنتقل منها إلى مدينة أخرى،  كنت أقدر روحه المرحة وخفة دمه كثيرًا (رحمه الله) وحقيقة أنه يأتي من مكان بعيد ليحضر المحاضرات ويركب وسائل مواصلات عديدة ليصل في الثامنة صباحًا للمعهد، ثم يغادر معنًا في السادسة مساء ليصل منزله بعد حلول الظلام دون أن يشتكي أو يتذمر.

خبر وفاته نزل على رؤوسنا كالصاعقة، لم يتوقع أحد أن تتعرض السيارة التي كان يركبها لحادث مروري ينجو منه السائق بأعجوبة ويتوفى الراكب حمزة الذي كان في طريقه إلى المعهد لحضور محاضرة.

كان الفصل الذي قبله فصلًا مغلقًا (أي أنك يجب أن تنجح في جميع المواد قبل أن تنتقل للفصل التالي) وقد رسبت أنا  في مادة واحدة فقط من أصل سبع مواد ( لا يسعني المجال لذكر اﻷسباب الآن) وكان علي أن أعيد فصلًا كاملًا وأنا أدرس مادة واحدة فقط ما يخالف كل لوائح التعليم العالي، بينما رسب رحمه الله في مادتين، أذكر امتحان أحدهما المعملي حيث دخل هو ورسب بينما نجحت أنا في ذلك الامتحان النهائي بالكاد، كان قدره أن يتوفى وهو أت ليعيد تلك المادة بالذات التي دخل امتحانها المقسم لطاولتين، طاولة تعنت المعيد الذي يشرف عليها ورفض مساعدة الطلبة في حل الامتحان التعجيزي الذي وضعه، وطاولة سهلت المعيدة امتحانها، ولك أن تحزر أي الطاولتين كانت طاولته وأيها كانت طاولتي.

ولا زلت حتى يومنا هذا أمقت ذلك المعيد المتكبر الفظ غليظ القلب وأحمله ولو جزءًا من مسؤولية وفاة حمزة (أنا مؤمن بالقضاء والقدر تمام الإيمان) و لا زلت متحاملًا على تلك اللائحة التي أراها جائرة ولم ينفع مرور السنين الطوال في تغيير وجهة نظري فيها.

يوم سماعنا الخبر بكت زميلاتنا بكاءً مرًا على وفاة حمزة، وإحداهن بالذات أثر في بكائها لأنني كنت معجبًا بها من بعيد، لدرجة أنني غبطته على ذلك الموقف!!

مرت سنوات عديدة وأحداث مهولة على هذه البلاد، ولكنني لم أتمكن من نسيان حمزة، للأسباب التي خلت كلها وأسباب لا أفقه كنهها، أسأل الله له الرحمة والمغفرة وأسألك عزيزي القارئ أن تدعو له بالرحمة والمغفرة.

سورة الفاتحة صدقة على روح صديقي
سورة الفاتحة

بقي أن أذكر أن مشروع تخرجي من المعهد كان لعبة تفاعلية تعليمية للأطفال، اخترت للشخصية الرئيسية فيها اسم حمزة (رحمه الله)، كانت هذه طريقتي في تذكر حمزة وأن أتأكد أنه لم ينسى، مع علمي أن أصدقائه نسوه لحظة مواراته الثرى.

لماذا أنشر هذه التدوينة اليوم؟ لا أعلم! رغم أن غدًا هو غرة شهر رمضان المبارك ومن المفترض أن تكون هذه تهنئة بالشهر، لكنها ليست كذلك!

 

هذه التدوينة كانت تخيم على أفكاري منذ أن استعدت مدونتي القديمة، ولكنني قررت نشرها هنا بدلًا عن ذلك، ولا أظن أنني سأنشر أي شيئ على تلك المدونة أصلًا (هذه التدوينة كانت معدة للنشر على مدونتي على الووردبريس لكن ذلك لن يحصل)..

رحمك الله يا حمزة.

Newer posts »