Category: Pages from my life (Page 7 of 8)

مدرسة القيادة – الجزء الثالث

هذه سلسلة تدوينات بمناسبة أسبوع المرور العربي وفيها أحكي كيف تعلمت القيادة في ليبيا. توقفت عند شهر رمضان المبارك وكيف أنني إنقطعت عن التدريب خلال هذا الشهر.
هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!
لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك.

العودة للتدريب

بعد رمضان بدأت الدراسة وكنت قد نسيت القيادة تمامًا وحاولت التركيز على دراسة مادة واحدة فقط – لظروف شاذة كنت أمر بها فرضت عليّ دراسة مادة واحدة في ذلك الفصل – لتصدمني وفاة صديقي حمزة وما أعقبه ذلك من تأثير عميق على نفسيتي. وبالقرب من نهاية الفصل الدراسي عدت للتدريب على القيادة دون أن أنجو من التوبيخ.

قال لي المدرب بغضب: “بتولي جديات ولا؟ مش تتدرب وتسيب وتتدرب وتسيب حتى اللي تعلمته تنساه راك. أسمع راهي أخر مرة، بعدها والله ما عاد نعرفك، فاهم ولا؟”.

لم تفلح أعذاري معه باستثناء ألم كاحلي حيث قال لي بعصبية وإستنكار: “وكان قلتلي رجلك توجع فيك راه مش هكي الكلام!”.

عدنا للتدريب وأخذ الأستاذ يدربني على سيناريو الامتحان الذي هو عبارة عن جولة بالسيارة حول منطقة محددة يتوجه المتدرب فيها يمينًا ويسارًا حسب توجيهات الممتحن الذي يحاول إرباكه وإفشاله، بالحديث تارة وبالإٍسئلة العشوائية تارة أخرى. وليس من الضروري أن أؤكد أن لبس حزام القيادة وإستخدام أضواء التوجيه (الفليتشات) والنظر في المرآة من ضروريات النجاح.

الهونداي فيرنا التي تعلمت فيها القيادة شبيهة بهذه

والحقيقة أنه زرع في نفسي الرهبة من امتحان القيادة.  معززًا الشائعات التي كنت أسمعها عن صعوبة الاختبار وأنه لا ينجح أحد في اجتيازه من المرة الأولى.

بعد عدد لا بأس به من الحصص، قرر المدرب أن الموعد قد حل لكي أجرب حظي في دخول الامتحان، وفعلا قام بإحالة أوراقي للمفت.. الممتحن وطلب مني الحضور للمدرسة قبل الامتحان بقليل.

مميزات مدرسة القيادة

ما لم أكن أعلمه أن المتقدم للامتحان يأخذ أوراقه بنفسه، يبدو أن هذه من مزايا مدرسة القيادة!
وبعد حصة مراجعة في المدرسة للقوانين اصطففنا لدخول الامتحان، القسم الأول كان حول الإشارات والقسم الثاني كان جولة بالسيارة. هذا بالنسبة لرخصة الدرجة الأولى.
أما رخصة الدرجة الثانية فلديهم جزء ميكانيكي من الاختبار يضاف للجزئين السابقين.

ورقة إشارات المرور العتيدة!

يوم الامتحان

دخلت القاعة لأجيب على أسئلة الإشارات وأنا أشعر بالرهبة، زاد هذه الرهبة العقيد الذي كان يسأل الممتحنين عن الإشارات بملامحه القاسية وقامته الهائلة والرتبة التي تصطف على كتفيه صارخة بالنفوذ. وبالطبع فقد فشلت في الإجابة وعدت أجر أذيال الخيبة.

كلاكيت ثاني مرة!

في المرة الثانية وصلت بالفعل للجولة! صعدت المركبة مع ثلاثة متقدمين للامتحان وعقيد بالمرور يجلس بالخلف، وممتحن يجلس في الأمام يوجه المتقدم ويربكه بالأسئلة أثناء القيادة.

جلس أحد الشباب قبلي -حيث كان ترتيبي اﻷخير- وبادره الممتحن بالسؤال: “بوك فلان؟” وهذا السؤال دلالة على أنه يعرف والده من مكان ما، وبالفعل كان من معارف والده وطلب منه أن يسلم عليه. وارتكب هذا الشاب خطئًا فادحًا وهو يقود حيث كان ينوي الانعطاف إلى اليسار فقاد بسرعة ودون أن يتوقف إلى الجانب الأيسر – بدل أن يتوقف في الوسط كما هو المفروض وينظر إلى اليمين واليسار (فيما يعرف بإعطاء الأسبقية في الاتجاه الواحد المتبادل) -. وتغاضى الممتحن عن ذلك الخطأ برشاقة ونجح الشاب في الامتحان!!

من المفترض أن تتوقف عند تغيير الإتجاه، أليس كذلك؟

دوري في القيادة!

وصل دوري فجلست وحاولت تشغيل المحرك كما هي العادة، ففاجئني صوته النشاز مدويًا: “السيارة والعة يا شاب، هذي أول غلطة و مازالت غلطة“. وأثناء الجولة انطفأ المحرك مني دون قصد في أحد المرتفعات فقال لي أنني رسبت وطلب مني أن أقود لمكان البداية. فذكرته بخطأ إبن “صديقه” الفادح فقال لي بعصبية: “أنا متع واسطات كان عاجبك، وبرا اشكي فيا” وهو يقود بطريقة جنونية حتى وصلنا إلى مكان البداية ثم صرخ في أن أنزل ورمى إلي بالفيلاروزا – وهي علامة على أنني فشلت في الاختبار – .

لم يوبخني مدربي حتى ..

الثالثة .. أبلة؟

في المرة الثالثة التي كانت بعد أسبوع كذلك – وذكرني مدربي بفضل المدرسة علينا وكيف أننا نمتحن كل أسبوع بينما الآخرون يمتحنون مرة كل شهر-.
جلست في قاعة الانتظار مع زملائي منتظرين موعد الاختبار، وقد لفت انتباههم درايتي الواسعة بمجريات الامتحان وفحواه فوجدت نفسي واقفًا على السبورة أشرح لهم الإشارات كما كان يفعل النقيب في الحصص النظرية.

دخل أحد أعضاء اللجنة مسرعًا وقاطع شرحي وطلب أن يأتي أحد الشباب معه. وتهامس الجميع أنه “عنده واسطة قوية وواصل في الدولة” وأنه الآن يتناول الفطور مع أعضاء اللجنة (حيث أن الامتحان لن يبدأ حتى يتناولوا فطورهم!).

أكل البريوش للفطور عادة من عادات أهل طرابلس

سريعًا جاء وقت امتحان الإشارات، ووقفت في الطابور أنتظر دوري وقد زالت عني رهبتي القديمة – بحكم الخبرة – وعندما هممت بالدخول استوقفني العقيد الذي امتحنني أول مرة قائلا: “راجي“.
فقلت له بتلقائية: “أه تبي الأبلة تخش قبلي؟” فقال لي: “تعال نبيك في كلمة”.

ماهو الشيء الذي قاله لي العقيد ذو القامة الهائلة والذي تركني منعقد اللسان؟! وهل تكون هذه المرة في الامتحان أحسن من سابقاتها؟

الحلقة القادمة تعد بالكثير من المفاجآت!!

شاركو هذه التدوينة على مواقع التواصل الإجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

مدرسة القيادة – الجزء الثاني

هذه سلسلة تدوينات بمناسبة أسبوع المرور العربي وفيها أحكي كيف تعلمت القيادة في ليبيا. في الجزء اﻷول توقفت عند أول حصة تدريب عملي وكيف أن المدرب يناقض كل التعليمات التي تلقيناها في حصة التدريب النظري بأسلوبه السوقي..
هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!

لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك والثالث من هنا كذلك والجزء الرابع هنا أيضَا وللجزء الخامس اضغط هنا.

التجربة اﻷولى ليست كما توقعت

سريعًا أتى دوري، وبعد أن حصل مني أجرة القيادة (عشرة دينار على الساعة الواحدة) طلب مني الانطلاق في طريق مفتوح تنطلق فيه السيارات بسرعة كبيرة (طريق قاعدة معيتيقة تحديدًا)، وهنا قلت له أنه لم يسبق لي قيادة سيارة من قبل. ليفغر فمه فيّ وهو يصيح بلهجته السوقية:

 “تي معقولة يا راجل؟ ولا مرة سايق سيارة؟ تي قداش عمرك؟ شي شي؟”

وعندما تأكد من جهلي التام بقيادة السيارات بدأت قريحته الشعرية بالظهور، وبدأ في الزفير والشخير وظهرت أمارات الضيق جلية على وجهه البدين. فأجبته بسؤال: “مش هذه مدرسة قيادة يا أستاذ؟” فقال بنفاذ صبر:

“إي إي مدرسة عارفينها، هاك تشبح في الجماعة كلها تسوق ولا يا ولاد؟ – طالبًا التعاطف من زملائي – هي توا نعلمك وحدة وحدة هي”.

 

 وبدأ يشير لأجزاء السيارة باللهجة الليبية بالطبع:

“هذا اللي عاليمين فرسيوني، واللي من غادي شراطوري، رص عليه رص هذا اللي فيه البنزينة، واللي في النص فرينو يشد السيارة تعرفه ولا؟”. – يقصد دواس البنزين والفرامل ومغير السرعات.

تحركت السيارة بعد جهد جهيد وعدة محاولات فاشلة، وكنت أشعر بالحيرة الشديدة والسيارة تتحرك لكثرة اﻷشياء التي يجب أن أراقبها وهذا البدين يصرخ في أذنيّ:

 “تي هيا ياراجل، معقولا؟ حتى البناويت يسوقو خير منك شن صارلك، شن تبي نرفعك للجولة غادي قدام المدرسة في القايلة والشمس على راسك؟ نهارك الأحرف كان تطيح الطربوش هكي خيرلك راه”.

 

هذا هو الطربوش الذي يقصده

 وسط ضحكات جذلة من رفاق الدرب، الذين سرهم أن يروا زميلهم المتفوق في الدراسات النظرية يعاني في التعليم العملي.
وهنا أوقف السيارة وطلب مني النزول غير أبه باعتراضي أن الساعة لم تنقضي بعد وأنه لا يزال لدي وقت متسع من الوقت للتعلم. فصفقت باب السيارة في وجهه وعدت أدراجي وأنا لا أرى أمامي من الغيظ..

التغيير

عدت مغضبًا لوالدي وحكيت له ما جرى بدون ترك أي تفصيل صغير، فلم يبدو عليه اهتمام بالمسألة. وفي اليوم التالي ذهب معي لإدارة المدرسة وتغير موقفه بنسبة 180 درجة. وطالب بغضب شديد باعتذار لي من “المدرب” وأن يتم تغييره فورًا، وأن يضمنوا لي ألا يلاحقني أو يسبب في عرقلة مسيرتي، ولدهشتي فقد تم تنفيذ مطالب والدي بالكامل ودون تأخير!! وكانت حجة المدرب أنني صفقت باب السيارة في وجهه ولم يذكر أنه أوقف السيارة في الطريق السريع وأنزلني من جهة السائق على الطريق!

المدرب الجديد

التقيت بالمدرب الجديد، والذي بدت الصرامة والصلابة بادية عليه. وشرحت له القصة باختصار فقال أنه مستعد للمساعدة. وفي الحقيقة فإنني أدين له بالفضل في تعليمي القيادة على أصولها. حيث أنه استطاع تطبيق القانون المروري على الطريق بشكل عملي، وليس بوضع “الخنفورة” كما تفضل مدربي السابق!

وأحمد له في هذا الموضع صبره على أخطائي العديدة وأخذ عملية التعلم من الصفر، وكذلك أحد المواقف التي لن أنساها ما حييت.

سيارة هوندا سيفيك حمراء شبابية وذات سمعة سيئة!

أثناء حصة تدريبية روتينية كنت أقود فيها السيارة أتت سيارة شبابية (هوندا سيفيك حمراء تحديدًا) بمحاذاتنا وفتح السائق النافذة وقال ضاحكًا بجذل: “بالله يا أستاذ درس عاليمين نبي نتعلم السواقة من جديد“، ففتح المدرب نافذته وصرخ فيه وأجبره على الابتعاد. وعندما لمح الضيق مرسومًا على وجهي لكز كتفي وقال لي:

 “هيه! ما تزعلش روحك على شوية مصيع ميستاهلوش. أنت تدير في الصح مش زيه تلقاه خانب سيارة أمه وطالع يسوق!!”.

وكانت تلك المرة الوحيدة التي لمحت فيها منه بعض التعاطف!!

انقطعت عن التدريب لحلول شهر رمضان المبارك، حيث أن الصوم و تعلم القيادة لم يبدوا كمزيج ملائم في شهر أغسطس الحار. الأمر الذي أغضب مدربي للغاية! كما أن دواس السيارة الصلب سبب لي آلمًا شديدَا في كاحلي وصعوبة في المشي!

مالذي حدث بعد ذلك؟ وهل انتظمت في تعلم القيادة بعد مضي شهر رمضان المبارك وشفاء كاحلي؟ هذا ما ستعرفونه في الحلقة القادمة بعون الله.

شاركو هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

مدرسة القيادة – الجزء اﻷول

هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!

سلسلة التدوينات هذه بمناسبة أسبوع المرور العربي. وفيها أتحدث عن تجربتي في تعلم قيادة السيارات.

هذه التجربة امتدت على مدار سنة كاملة -من مارس 2009 وحتى مارس 2010-  ولذلك قررت تقسيمها لخمس تدوينات..
متابعة طيبة 🙂

لقراءة الجزء اﻷول اضغط هنا. وللجزء الثاني اضغط هنا من فضلك والثالث من هنا كذلك والجزء الرابع هنا أيضَا وللجزء الخامس اضغط هنا.

سيارة تعليم قيادة تشبه التي تعلمت فيها

البداية

ألحت والدتي  على والدي – حفظهما الله – بأن يلحقني بمدرسة لتعليم قيادة السيارات. الأمر الذي يعد عارًا وشتيمة في مجتمعنا بالنسبة للرجل، فالرجل – يولع طول ويطلع- ومدرسة القيادة للبنات فقط. ووالدي ليس صبورًا بما يكفي لتعليمي قيادة السيارة بنفسه.
ولأنني لم أغامر كزملائي المراهقين الذين كانوا يسرقون سيارات أباءهم في الظهيرة وهم نيام ويتجولون بها خلسة مسببين كوارث صغيرة!  فقد أخذني في صبيحة يوم غائم لاستخراج الأوراق المطلوبة لإصدار رخصة قيادة مؤقتة (فيلاروزا)، وبعد ملء النماذج الروتينية دخلت لفحص نظري -وعلمت لأول مرة أنني أعاني من ضعف في النظر-. ثم من هناك توجهنا لمدرسة القيادة ودون أي تأخير!!

لم أكن أصدق أنني أحتاج لنظارات نظر!

مدرسة الأمانة

مدرسة الأمانة تقع بمنطقة الفرناج بالعاصمة طرابلس ملاصقة لمركز شرطة عين زارة وتتبع لإدارة المرور طرابلس -أي أنها مدرسة حكومية-. ليست مرئية من الطريق الرئيسي وتحتاج لنزول بضعة عشر درجة لتصل إليها.
وهي مبنى غير لافت للنظر أمامه ساحة كبيرة للتدريب – وموقف سيارات لمعسكر التدريب-
وعلى الفور دفع والدي قيمة الاشتراك (عشرين دينارًا) وقيل لي أن أتي يوم اﻷحد الساعة الثامنة والنصف صباحًا.

مدرسة اﻷمانة بمنطقة الفرناج – طرابلس

أسبوع الإشارات

بدأت التدريب في يوم الأحد وكنت متوترًا ومتحمسًا لركوب السيارة كسائق لأول مرة. لكن خاب أملي عندما علمت أن أمامنا أسبوعًا من التعليم النظري على إشارات المرور والقوانين المرورية.

كان الأستاذ ضابطًا سابقًا في المرور، صارمًا وقليل الكلام، ويشرح القانون بعصبية! وكرر على مسامعنا أكثر من مرة هذه الجملة:

“لما تركب في سيارتك وتخش الطريق، دير روحك إنت بروحك اللي عاقل، وكل السواقين التانيين مهبلة!”.

لما أدرت عيني داخل الصف اكتشفت أن الطلاب شريحة متنوعة من الناس وليست مثل الفصول الدراسية التي اعتدت عليها – أناس من مراحل عمرية متقاربة -. ففي الأمام جلس كهل بلباسه التقليدي (الجرد والمعرقة) وهو ينصت مصغيًا – أو نائمًا-، وسيدة سمراء كثيرة الكلام يتضح لاحقًا أنها جندية في فيلق الحرس الخاص ولديها “توكة” يومًا بعد يوم.

وعدد من الرجال والنساء من أعمار مختلفة جلسوا على المقاعد الخشبية ينصتون لشرح النقيب. وأيضا شباب جامعيون من عمري تقريبًا جلست جوارهم.

صورة لإشارات المرور التي درسناها بالمدرسة

كما تخلل الشرح زيارات من عقداء وألوية بالمرور يشرحون بعض المسائل المعقدة والجنايات والجنح وغير ذلك من المسائل القانونية والجزائية! الأمر الذي تعدى ورقة الإشارات المتعارف عليها! وبالطبع زاد من رهبتي وخوفي من قيادة السيارات.
كنت أدون شرح الأستاذ بنشاط الأمر الذي لفت انتباهه وطلب من الكل جلب كراريس وأقلام في اليوم التالي، ولم يستجب أحد لتعليماته وبدا كأنه نسي الأمر كليًا في اليوم التالي!

ككل الأوقات الجميلة انقضى أسبوع التدريب النظري سريعًا، وجاء يوم الأحد الذي سنركب فيه سيارة المدرسة للمرة الأولى..

وضع الخنفورة!!

تم إلحاقي بمدرب لا أذكر اسمه -ولا أهتم لذلك كثيرًا بصراحة- ولكن ملامحه لا تزال واضحة في ذهني رغم مرور عدة سنوات. كان قصير القامة بدينًا وأصلع، ويبدو من فمه المتهدل أنه إما كثير الكلام أو شديد النهم. وبعد أن دخلنا سيارته إلتفت إلينا بنظرة متعالية بعد أن جلس على كرسي الراكب وقال:

“أسمع جاي إنت وياه، عرفت الكلام هذاكا الهلبا اللي قالهولكم فلان – يعني دروس النقيب حول القوانين المرورية – أنسوه ولوحوه ورا ضهوركم ايواه! هني الأسبقية بوضع الخنفورة وجهدك وشن يجيب”.. 

ومط شفتيه وأصدر صوتًا نشازًا بفمه كأنه تناول كوبًا من الشاي الشديد المرارة!

بعد هذه المقدمة المشجعة تناوب زملائي على القيادة وفاجئني أن معظمهم يستطيع تحريك السيارة والانطلاق بها بدون صعوبات تذكر، فأول سؤال خطر لي هو: مالذي تفعلونه في المدرسة بالتحديد؟!

مالذي حدث بعد ذلك؟ وكيف كانت تجربتي اﻷولى في قيادة السيارة؟ هذا ما ستعرفونه في الحلقة القادمة بعون الله.

شاركوا هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

قطع الإنترنت على طرابلس أثناء ثورة فبراير 2011

وبغض النظر عن انتفاضة 17 فبراير ونتائجها فإنني بصدد التدوين عن حدث فرعي حدث خلال هذه الانتفاضة، وهو قطع النظام الحاكم لخدمات الإنترنت والرسائل النصية بالكامل عن ليبيا، من يوم الثالث من مارس 2011، لأجل قمع الانتفاضة ومنع النشطاء من نشر مقاطع الاحتجاجات على الإنترنت، الأمر الذي نزل كالصاعقة على رأسي!
قطع كابل الإنترنت صورة ساخرة
قطع الإنترنت صورة ساخرة

مراحل قطع الإنترنت

المرحلة الأولى من القطع استهدفت مواقع الأخبار الأجنبية كالجزيرة والعربية والحرة وبي بي سي وسكاي نيوز ومواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، وكذلك خدمة الرسائل القصيرة SMS، وبينما كانت خدمة الإنترنت موجودة لكنها كانت بطيئة للغاية وتكاد تكون معدومة.

المرحلة الثانية شملت كل المواقع ما عدا المواقع المحلية ذات النطاق أل واي، مثل موقع أل تي تي وليبيانا والمدار، وللأمانة كان تحميل هذه المواقع سريعًا وسلسًا، وعديم الفائدة إلى أقصى حد، مالذي سأفعله بموقع مزود الخدمة إن كانت الخدمة مقطوعة من الأساس؟

المرحلة الأخيرة كانت قطعًا شاملا لخدمات الإنترنت على ليبيا، وعلى من يريد إرجاع خدمة الإنترنت تقديم طلب لمكتب الأمن الداخلي مع توقيع تعهد بعدم زيارة مواقع التواصل والمواقع الإخبارية، مع أخذ العلم أن شبكة الإنترنت هذه مراقبة بالكامل.

انقطاع الإنترنت دام لمدة خمسة أشهر كاملة، حتى أواخر شهر أغسطس من العام ذاته بعد دخول الثوار إلى مدينة طرابلس وبسط سيطرتهم عليها، وبالنسبة لي أنا لم تعد خدمة الإنترنت حتى بداية شهر سبتمبر لأن الشبكة الكهربائية تضررت أثناء المعارك واستغرق تصليحها أكثر من أسبوعين..

علاقتي مع ال تي تي ليست بأفضل حالاتها

مالذي حدث في تلك الفترة؟

قبل الإنقطاع كنت بصدد تحميل الكثير من الأدوات مفتوحة المصدر بعد اشتراكي في خدمة إنترنت المدار، حيث كان انترنت المدار يعطي المستخدم 45 ساعة -دايل أب- مقابل 10 دنانير في الشهر، ومع استخدام مدير تحميل بيانات ومودم اتصالات(شبيه تماما بمودم إنترنت ليبيانا) كانت سرعة التحميل مقبولة، وكان موقع بديل آنذاك هو دليلي للتحول من برامج ويندوز المقرصنة نحو عالم مفتوح المصدر، ولكن للأسف حال قطع الإنترنت بيني وبين تكملة هذه التحميلات وبالتالي التحول المنشود.

المحاولة، ثم اليأس، وأخيرًا القبول!

بعد محاولات لا حصر لها بإعادة تحميل الصفحة، والولوج بأدوات تزعم قدرتها على تخطي الحجب والرقابة، إستسلمت للواقع وحاولت التعايش معه، وقمت بحذف تحميلاتي المنتظرة في النهاية لطول الانتظار!

صفحة الويب عند انقطاع النت

في ذلك الوقت لم يكن هنالك الدينصور تي ركس لنلعب به بإنتظار رجوع الإنترنت!

الديناصور تي ركس لعبة جوجل كروم

نعمة في زي نقمة

في تلك الفترة لم يكن موقع فيسبوك منتشرًا انتشارا كبيرا في ليبيا كما هو الآن (والسخرية أن صعود وسائل التواصل جاء كرد فعل عكسي على قطع الإنترنت)، بل كان أغلب التواصل يتم عبر الماسنجر والمنتديات كالهندسة نت والكساد، كما بدأت برامج الشات كالنيم بز تصعد تدريجيا بين الشباب، وشخصيا لم أكن فعالًا بشكل كبير على الإنترنت وتجربتي الخجولة مع التدوين فشلت كليا.

ويجب علي أن أعترف أن قطع الإنترنت عني كان نعمة حقيقية، فقد مكنني هذا الانقطاع الطويل (بالإضافة لإيقافي لقيدي الدراسي تلك السنة بسبب الأوضاع الأمنية الغير مسبوقة) من القيام بالعديد من الأمور التي كانت تبدو لي من المستحيلات!

من ضمن هذه الأمور

  • ترتيب المجلدات والملفات التي تراكمت عبر سنوات من التحميلات العشوائية بشكل منظم وجيد، وتحديد ما أحتاج إليه فعلا وما لا أحتاج إليه، وبالتالي توفير مساحة القرص وتسهيل الوصول للملفات والمجلدات.
  • قراءة عدد من الكتب (الإلكترونية والورقية) التي بقيت مهملة لفترة لا بأس بها.
  • تحويل كراسات كاملة من الورق المكتوب بخط اليد إلى صيغة إلكترونية سهلة الحفظ والاسترجاع وكذلك التخزين الاحتياطي لها، والتخلص من هذه الكراريس وفر مساحة لا بأس بها في خزانتي.
  • طباعة هذه الكمية من الأوراق أدت إلى تحسين سرعة الطباعة باللمس لدي دون أن أشعر.
  • تعلم استعمال عدد من البرامج الخدمية المهمة التي لم أجد لها وقتًا من قبل (جزئيًا بسبب الإنترنت).
  • مشاهدة عدد من الأفلام التي لم أجد لها وقتًا على الإطلاق!
  • برمجة لعبة إلكترونية باستخدام المصادر المتاحة دون إنترنت، وهي من الإنجازات التي أفتخر بها حتى الساعة!
  • قمت بالتدرب على كتابة خط الرقعة! طوال عمري كان خط يدي فظيعًا ومثار سخرية من معلمي ومعلماتي، وسببًا من أسباب انخفاض درجاتي لأن المدرسين لا يفهمون ما أكتب، لذلك خصصت وقتًا لإتقان خط الرقعة، اﻷمر يستحق المحاولة!
  • تحديد ما يجب زيارته على الإنترنت بعد رجوعه وترتيبه في قوائم ومجلدات، وكان دخول الإنترنت بعد انقطاع أشهر عديدة من أمتع التجارب التي خضتها في حياتي حتى الساعة (نعم حياتي مملة إلى هذا الحد!).

بالطبع لم يقاطع نسق هذه الإنجازات سوى انقطاع الكهرباء الذي بدأ منذ أواسط شهر يوليو من ذلك العام (واستمر حتى اللحظة)، وكنت أعمل بالقدر الذي تسمح به بطارية حاسبي النوتبوك الصغير، قبل أن أقفله بانتظار رجوع الكهرباء مجددًا، فلم تكن المولدات شائعة إطلاقا في تلك الأيام ولا كان يخطر على بال أحد كل تلك المشاكل.

اعتبرت هذه الفترة قفزة حضارية في حياتي لأنني اطلعت على العديد من المصادر والأدوات التي سهلت دراستي وعملي لاحقًا (ودونت عن معظمها في هذه المدونة)، وما كنت لأركز فيها لولا أن الإنترنت كان مقطوعًا لأشهر متواصلة!

الإنترنت

الإنترنت هو بحر واسع من المعرفة والعلوم، كذلك به العديد من المواقع التي صممت خصيصا لتضييع الوقت، وأعترف أنني أضيع الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي لا أفعل شيئا سوى التصفح دون هدف، لذلك سوف أقوم بقطع الإنترنت أكثر وأركز على ما يجب عمله فعلا، لأنني دون أن أعلم كونت نظام إنتاجية فعال يركز على العمل دون إنترنت وتجميع الأمور التي أريد البحث عنها في الإنترنت لوقت لاحق، حتى تكون جلسة ذات هدف ومفيدة وممتعة كذلك.

شاطئ البحر من تاجوراء
شاطئ البحر من تاجوراء من إلتقاطي

وسائل التواصل والبؤس!

دراسة جديدة أجريت في عام 2017 أكدت المعتقد الشائع، أنه كلما زاد الوقت الذي تمضيه على فيسبوك كلما زاد شعورك بالتعاسة! لماذا أعرض نفسي لهذا البؤس وأنفق مالي عليه؟ بينما يمكنني قراءة روائع الأدب أو مشاهدة شيء مسلي ومفيد؟

فيسبوك يسبب البؤس

اليوم في 2017

تبدو فكرة العمل دون إنترنت متطرفة قليلًا، فالبريد الإلكتروني مثلا يتطلب وجود اتصال دائم بالإنترنت لأداء الأعمال اليومية عليه، كما أن العديد من الخدمات كالترجمة والبريد الإلكتروني مثلا تتواجد على الإنترنت، لذا يجب أن يكون هنالك حل وسط لهذه المعضلة!

ويجب أن يكون القرار نابعًا من داخلي ومعززًا بإدراكي لأهمية الوقت والإنتاجية، ليس لأن الأمر فرض علي فرضًا!

الحل الذي لدي هو بحجب مواقع التواصل الاجتماعي (مرحلة واحد من قطع الإنترنت) ولو مؤقتًا للتركيز على المهمات الواجب تنفيذها، وفي حالة عدم تمكني من الالتزام بذلك قطع الإنترنت بشكل كلي عن الجهاز.

حجب الواي فاي كليا كحل للتأخير

هذه كانت الصفحة الأولى من صفحات من حياتي، قررت مشاركتها مع قراء المدونة، لكي يعرفو أنه خلف ضجيج المولدات و زحام منظومة الجوازات يوجد شخص حقيقي لديه ذكرياته وأمور يرغب في الحديث حولها غير دخان العوادم وفتح المنظومات!

استمرار هذا الباب يعتمد على تفاعلكم ومشاركتكم.

شكرًا لكم على قراءة هذه التدوينة، وبانتظار تعليقاتكم ومشاركتكم للتدوينة على وسائل التواصل لتعم الفائدة 🙂

« Older posts Newer posts »