أتذكر أنه كان في بيتنا جهاز فيديو، وأن أشقائي كانوا يستعملونه لتسجيل البرامج التليفزيونية، في عصر ما قبل الإنترنت. اليوم سأتحدث عن هذا الجهاز، وكيف كان له دور في تعليمي، وتنشئتي، وكيف كانت الحياة بعد أن تلف؟

نوعية البرامج التي كنت أشاهدها وأنا صغير

سجلت أسرتي أشرطة فيديو لبرنامج (المناهل) الأردني، والذي انتج في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. وهو برنامج تعليمي، ترفيهي، يهدف لتعليم النشء اللغة العربية، والنحو السليم، والنطق الصحيح للكلمات. وهذا البرنامج علق معي لفترة طويلة. حيث أنني في طفولتي لم أكن أتحدث سوى العربية الفصحى، ولم أكن أتقن اللهجة الدارجة لدينا. ما جعلني حديث الشارع، ولفت انتباه الجيران، والمعلمين.

كما كانت هناك تسجيلات لبرنامج الأطفال (افتح يا سمسم)، والتي كنت أشاهدها بالتناوب مع برنامج المناهل. ولعل الأمر المختلف بين البرنامجين، وجود شخصيات أجنبية معربة، مثل الضفدع كامل (Kermit the Frog)، وقرقور (Grover). ومن يستطيع نسيان الجمل الطيب (نعمان)؟

ما أهمية جهاز الفيديو؟

لتفهم ذلك، عليك أن تعود بالزمن إلى التسعينيات من القرن الماضي – لدي تدوينة حول الموضوع يمكنك مطالعتها – ولكن باختصار، لم يكن هناك سوى قناة واحدة. تبث “بروباجاندا” النظام، وتمجده. وخلال تلك البرمجة لم يكن هناك سوى ساعة واحدة للأطفال، أو أقل قليلًا. ولا ضمان في أنك ستنال تلك الساعة. فقد يخطر للقائد العظيم أن يبدأ “بودكاستًا” ويستمر في الحديث من العصر، حتى العشاء، والجماهير تهتف بحرارة لحياة الزعيم، وأمجاده.

لذلك، إن لم تمتلك وسيلة بديلة لاستهلاك المحتوى، إما أن تغلق التلفاز، أو تصبر على غسيل المخ الذي تبثه القناة الرسمية.

ماذا بعد تلف الفيديو؟

تلف الجهاز في أسوأ وقت ممكن، ولم نتمكن من إصلاحه. حدث ذلك أثناء تحول “القائد” من التوجه العروبي، نحو “الفضاء الإفريقي”. حيث خلص بحكمته اللامتناهية أن – وأنا أقتبس هنا – “أن العرب ما فيهم فايدة”. وأنه يجب أن نلتحم بالقارة الأفريقية، ونتماهى فيها. لتحقيق المجد التليد.

ما الذي كان يعنيه هذا لمشاهد الإذاعة الوطنية؟

برامج أفريقية، ورقصات وفنون شعبية من القارة، ومقاطع فيديو تجعل القارة السمراء تبدو “كجنة الله على الأرض”، التي فيها “أنهار من ماء غير آسن”.

الأمر الذي لم يقبله عقلي الصغير، وإلا لما تمتلئ شوارعنا بالشباب الأفارقة الباحثين عن فرص عمل؟ لماذا لم يبقوا في جنة الله الموعودة، وينهلوا من خيراتها اللامتناهية؟!

بالطبع، أنا لا أقصد هنا التقليل من مستوى السينما، أو الفن التي تنتجه دول القارة السمراء، ومتأكد أن لها عشاقها، ومعجبيها. مشكلتي مع الفرض، والإجبار، دون فهم حقيقي للسياق، أو الظروف التي تولدت فيها هذه التجارب الابداعية.

ومن السخرية أن “كتاب القائد الأخضر” فيه مقولة تقول: “إن الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها، وتراثها”. ما يعني أن الفنون الأفريقية ما كانت لتناسب شعب “الجماهيرية” الحر السيد.

خواطر ما بعد التلف

كانت تلك أيامًا عشناها، وتحسرنا فيها على الفيديو الذي تلف، والمكتبة التي جمعناها بصبر وأناة. عبر مبادلة الأشرطة، ونسخها، وتسجيل البرامج بحرص، لكي لا تتلف الشريط نفسه. لا أكذب عليك، فأنا لم أعرف كيف أستعمل الجهاز قط، ولم أكن سوى متلقيًا سلبيًا لتلك التجربة.

في وقتنا هذا، أمامك خيارات لا محدودة من المحتوى، وكل ما يفصلك عنها هو بضعة نقرات على جهازك الذكي، أو حاسبك. لكي تشاهد ما شئت من البرامج، والأفلام. وهذا كان حلمًا مستحيل التحقيق، في تسعينيات القرن الماضي.

في الختام

هذه تدوينة أفتح فيها خزانة ذكرياتي، وأبحث عن مواضيع لمشاركتها مع القراء على المدونة.
ماذا عنك عزيزي القارئ؟ هل سبق لك اقتناء جهاز فيديو؟ ما نوع البرامج التي كنت تشاهدها عليه؟ شاركني برأيك في قسم التعليقات، وشكرًا لك على القراءة.