أنا متأكد أنك وفي ليلة هادئة والوقت متأخر. سمعت صوت صرير مزعج يشق سماء الليل. ربما كان الصوت عابرًا لم يستمر طويلًا وربما شعرت أن الصوت يزداد ويثبت.. ما السبب في هذا؟ حسنا.. استمع للصوت أولا.
هذا فيديو للصوت الذي أسمعه دائمًا!
من أين يصدر هذا الصوت؟
البومة الصغيرة (أم قويق) هي فصيلة صغيرة من طيور البوم تعيش في المناطق الدافئة بالقرب من البشر. ودائما ما تعتلي أعمدة الكهرباء وتراقب محيطها منها. وتلك الأصوات التي سمعتها هي طريقتها في التواصل والنداء. وهذه بعض ملاحظاتي عنها كمراقب طيور قديم.
يصفها كتاب الطيور الليبية بأنها طائر مقيم (متواجد طول العام في ليبيا)، ويمكن مشاهدتها على الطريق خاصة أثناء الوقوف على الأعمدة. ولا تخشى ضوء الشمس فهي تمدها بالحرارة. ص 317.
أحيانا أرى طائرًا واحدًا وأحيانا أخرى أرى طائرين معًا. ويبدو أنهما اتخذا من مكان قريب عشًا لهما. ولأن هناك عمود كهرباء أمام البيت مباشرة، فأنا أسمع صوتهما من حين لآخر!
هل عرفت الآن سر الصوت؟ هل تصدق أن هذا الصوت المخيف يأتي من هذا الطائر الوديع والمسالم؟
كنت قد تحدثت عن هواية مراقبة الطيور على هذه المدونة، وذكرت ذلك الكتاب كنقطة عابرة فحسب. كتاب الطيور الليبية كان نقلة نوعية لي من مجرد ملاحظ هاو، لشخص يتبع منهجية علمية (أو شبه علمية) في الملاحظة، والمراقبة، والاطلاع. فهو ليس فقط دليلا لشكل الطيور وأنواعها. بل يشرح رتبها، وفصائلها، وأسمائها العلمية، وأيضا من أين تهاجر، وأين ترحل. وسلوكها في التعشيش والتكاثر، والتغذية، ومدى ندرتها، وانتشارها الجغرافي. هو موسوعة لا غنى عنها لكل من لديه اهتمام بالطيور.
قصتي مع الكتاب
لم أمتلك ذلك الكتاب قط. كنت قد عثرت عليه في مكتبة المدرسة وشعرت عندما وجدته أنه وضع هناك من أجلي. كنت أستعيره مرارًا وتكرارًا. أعيده ليوم أو بعض يوم ثم أعود لأستعيره مجددًا. وأمضي الساعات الطويلة أتأمل في صفحاته محاولا طباعتها في ذاكرتي (وعبثا أحاول). وقاومت معلمة المكتبة محاولاتي في شراء نسخة واحدة من الثلاث الموجودة بالمكتبة.. حتى أني فكرت في نقله باليد كل يوم صفحة (يالها من فكرة منتجة أليس كذلك؟)..
كنت أتأمل صور الطيور بانبهار! مع أشد محاولاتي للتركيز عبر عدسات المنظار لم أرى الطيور بهذا الوضوح والقرب من قط. طيور البحر الأدرياتيكي الضخمة! والطيور الكاسرة المخيفة (تجد تدوينة كاملة عن الصقور هنا)، والعصافير ذات الأشكال والأحجام المختلفة. وكم كانت خيبة أملي كبيرة عندما عرفت أنها طيور محنطة وليست نماذج حية في الأسر!! ورغم تلك الخيبة. تظل تلك الصور أفضل مرجع حصلت عليه. والسبب بسيط جدَا:
إنها ليست شبكة الإنترنت .. ولا كتاب طيور العالم. إنها طيور محلية ومهاجرة عبرت وتعبر سماء بلادنا.
أقرب شيء للواقع بين دفتي هذا الكتاب.
نعم، حتى طير الأطيش الجميل هذا، محنط ..
حسنا، مالذي تغير؟
قررت أن كتابَا مثل هذا ينتمي إلى مكتبتي. فهو جزء لا يتجزأ من نشأتي وثقافتي. وبدأت رحلة البحث الإلكترونية بعد أن فشل بحثي في المكتبات. فهو كتاب قديم ولم تصدر منه طبعات جديدة.
إعلان ظل على السوق المفتوح لفترة طويلة لم يجد. بل بعض الأشخاص تواصلوا معي على أني أعرضه للبيع؟! (هذه مشكلة عامة تواجهني على موقع السوق المفتوح).
لكن وبشكل عجائبي .. عثرت على الكتاب!
أعلنت على إحدى مجموعات فيسبوك أنني أبحث عن هذا الكتاب. وتواصل معي صاحب مكتبة (مرصد الساحل) بطرابلس على أنه يمتلك نسخة منه. وبالفعل ذهبت إليه ووجدت أن النسخة بحالة جيدة جدًا (الكتاب صادر سنة 1981) وقمت بشرائها فورً ودون أي تأخيرا! من هنا أتوجه له بالشكر على حسن المعاملة والتواصل وتوفير المطلوب في زمن قياسي وبسعر ملائم.
أنا حقًا سعيد بامتلاك هذه النسخة من كتاب نادر وقيم. يعد مرجعًا أساسيًا في علم الطيور.
هل أنا بصدد عمل نسخة إلكترونية من هذا الكتاب كما فعلت مع كتاب اعترافات إنسان؟
غالبا لا. النسخ بالسكانر سيؤدي لإتلاف وتمزيق الكتاب. أنا لا أريد إتلاف نسختي الوحيدة من هذا الكتاب في سبيل عمل نسخة إلكترونية. كما أن حجم الكتاب هائل (487 صفحة) ولن يكون نسخه وإعداده شيئًا سهلا.
لكن إن كان أي شخص بحاجة لصفحة أو بضع صفحات فسأكون سعيدًا بتصويرها له وإرسالها على بريده. خاصة إن كان يدرس أو بصدد إعداد بحث.
هامش ضروري
في أحد كتب إبراهيم الكوني قام بالحديث عن طير (مولا مولا) واستخدم وصف كتاب الطيور الليبية له (طائر غير شائع وشديد الندرة) بل وذكر الكتاب ذاته في متن النص كمرجع. أسعدني أنني مررت بذلك الكتاب ولو مرورًا عابرا وأنني تمكنت من ربط الأشياء ببعضها ولو بحبل واه.
والآن عزيزي القارئ ..
هل لديك كتاب مثل هذا في حياتك طال بحثك عنه؟ كيف شعرت بعد أن وجدته؟ شاركني بذلك في قسم التعليقات..
كنت قد تحدثت في هذه المدونة عن هوايتي “مراقبة الطيور” وكيف أنه من ملاحظاتي الشخصية ومراقبة المواسم لاحظت أن الطيور في تناقص مستمر. حتى المجموعات المحلية المنغلقة على ذاتها تضاءلت أعدادها بفعل بنادق الصيادين.. حسنا هذه التدوينة ستغطي وجهة نظر الصياد، وكيف أن للطائر الجارح قيمة تفوق قيمة حريته في البرية كما خلقه الله. وأيضا .. عن الذي لم يعرف الصقر وشواه!
موسم صيد البحاريات
في موسم الخريف تعبر طيور الشاهين من مواطن تكاثرها في آسيا الصغرى و بعض مناطق أوروبا إلى المناطق الأكثر دفئًا .. وهنا يكون بانتظارها الرّماكة (الصيادون) الذين يبحث كل منهم عن صيد ثمين وتحدّوه الرغبة في الظفر (ببحارية الموسم) وتحطيم الأرقام القياسية .. ربما تكون قد سمعت عن طير الشاهين (البحاري وهو الذي عبر البحر ليصل إلى ليبيا) الذي بيع للمزاد لأحد التجار بمبلغ 400 ألف دينار ليبي – ما يعادل 64 ألف دولار بسعر السوق السوداء، و 300$ ألف بالسعر الرسمي..
وطير الشاهين هذا بالذات هو الأغلى في تاريخ ليبيا وحطم الرقم القياسي بهامش كبير!. وفي حالة أنك لم تسمع فأرحب بك إلى حمى الذهب .. صيد الطيور التي أصابت القاصي والداني.
دورة حياة الطريدة
يكمن الرمّاكة (الصيادون) للطيور في الأماكن التي تتردد عليها. وبعد جولات طويلة وتتبع دقيق بالمناظير المقرّبة يتم نصب الفخ للطائر والحرص أشد الحرص أن يتم تقميطه بعناية فائقة (الإمساك به في جوال من القماش كقماط الرضيع) لأن الطائر الجريح والمصاب لا قيمة له في السوق.
بعض الفخاخ المستعملة في الصيد
ثم يتم قياس محيط الطائر عرضًا وطوله بالبوصة ووزنه وتحديد فصيلته (نداوي، حصاوي، شاهين) حيث أن هذه الفصائل هي المرغوبة والمطلوبة من الصقارين.
مصدر الصورة صفحة صيادين ليبيامصدر الصورة صفحة صيادين ليبيامصدر الصورة صفحة صيادين ليبيا
ثم يفتتح مزاد الطائر والبيع لأعلى سعر.
يلفت نظري استخدام الصيادين لمنهجية علمية. فهل لديهم كتب مثل كتاب الطيور الليبية؟
أخلاقيات الصيادين
هذه بعض الملاحظات التي جمعتها من متابعة صفحات ومجموعات الصيادين المحلية على الفيسبوك
الصياد الحق لا يصطاد سوى الطائر الذي يعرف أن له قيمة.
عدم استعمال الطعوم المسممة.
كذلك يتجنب الطيور المخّوصة (التي بها طوق تتبع وترقيم) لأنها جزء من دراسات علمية.
ويبتعد كل البعد عن مواسم التعشيش والأزواج المفرخة. لأن هذا يؤدي لانقراض الفصيلة واختلال التوازن البيئي.
اللي ما يعرف الصقر .. يشويه؟
وككل موجة صاعدة يوجد أولئك المدعون الذين دخلوا على الصنعة من بابها الخلفي. فتراهم يطرحون الفخاخ في كل مكان ويصطادون أي شيء يتحرك. وكلهم يحدوه الأمل أن يمسك ببحارية الموسم ويحصل على المال الوفير..
لكن للأسف .. قليلا ما يفلح هؤلاء ولا تمسك شراكهم سوى الحدأة وبعض الطيور التي ليس لها مشتر..
وغير ذلك من الطيور التي لا يسبب صيدها سوى في العذاب لها، وفي اختلال الميزان البيئي وخلو البلاد من حياتها البرية.. بسبب الجشع والطمع والرغبة في الكسب السريع على حساب موضة رائجة ..
الفصائل الأتية المحلية غير مرغوبة ولن يزايد عليها أحد
طرشون.
قرناص.
بو شراقة.
بو جراد.
بو حوام.
جلمة (باز).
عقاب.
بريني.
بو رقيص.
كما أن التشابه بين الطيور الجارحة وحتى الاختلافات البسيطة بين البالغة والصغيرة منها تربك الرمّاكة، فما بالك بالهواة..
هذا الطائر بالذات .. حدأةشاهين صغيرباشق او ما يعرف ببوجراد
نوع من أنواع الحدأت، ليس صقراعقاب سيء الحظ قادته قدماه الى شراك أحد الصيادينبوحوام ..هذه صورة قديمة لدي، والطائر البائس فيها ليس سوى حدأة يحلم صاحبها ببحارية الموسم!!زوج من الحدأت ساقها حظها التعس إلى شباك مهووس بالبحاريات
ختاما
قررت الاحتفاظ بوجهة نظري حتى النهاية. أنا ضد صيد الطيور والاتجار بها لغرض الكسب السريع. بالأخص المهددة منها بالانقراض.. ولا أعلم ما هي القوانين المحلية التي يفترض أنها تصون الحياة البرية. لكن أعرف أن الوقت ملائم لاستحداثها إن لم توجد وتطبيقها.
في مرحلة ما من طفولتي كنت مشغولا جدا بمراقبة الطيور من حولي، ما أنفك أنظر للسماء باحثًا عن طائر أسجله في مفكرتي، وكانت هذه الفترة من أسعد فترات حياتي!
البداية
كنت منبهرًا بشكل خاص بالطيور البحرية كبيرة الحجم، من أمثال البلشون والنحام الوردي وطيور النوارس، وملاحظة هذه الطيور في منطقتنا القريبة من البحر دفعتني دفعًا لتحويل هذه المشاهدات العشوائية إلى هواية. كان يجب أن أتأكد من وجود مثل هذه الهواية لذلك طالعت موسوعة بريتانكا (هذا قبل دخول الإنترنت إلى بيتنا) لمعرفة المزيد عن الموضوع!
هذا الكتاب من ترجمة اﻷستاذ عياد العوامي فتح لي آفاقًا واسعة حول الطيور الليبية، أجناسها وأنواعها ومناطق تواجدها، والمقيمة والمهاجرة، ومدى ندرتها من عدمه. كما أن ملحق الصور ساعدني على التعرف على الطيور بمختلف أنواعها والتمييز بينها (يوجد الآن تدوينة كاملة حوله).
كما أن كتاب طيور العالم الذي تلقيته هدية من شقيقي علاء ساعدني كثيرًا على التعرف على عائلات الطيور، وكان قراءة ممتعة للغاية.
معدات المهنة
كبرت مجموعتي شيئًا فشيئًا، من مفكرة صغيرة وقلم، انضم لها منظار وكتاب الملاحظات، ثم تدريجيا منظار أكبر ومفكرة أكبر بعد أن انتهت اﻷولى، قيدت فيها ملاحظاتي بالتاريخ والمشاهدة وأي ملاحظات كحالة الطقس أو اتجاه طيران الطيور والصوت الذي تصدره. تستطيع أن تقول أن بدايتي الحقيقية مع التدوين كانت من هنا.
أين أراقب؟
حيثما حللت أو رحلت لا بد أن ألتفت نحو السماء وأنظر لعلي أصادف طائرًا نادرًا، ساعدتني رحلات الكشاف على الذهاب لمناطق خلوية تزدهر فيها الحياة البرية أكثر من المدن، ولو أن أغلب وأجمل مشاهداتي كانت بالمدن لا اﻷرياف.
بعد أن احترفت الهواية قمت بتدوين كل المشاهدات التي أذكرها من الماضي واجتهدت في البحث عن التاريخ وكتابة التفاصيل بأكبر دقة ممكنة، لتظل شاهدًا حيًا على ما رأيته واختبرته.
لكنني لا زلت أراقب السماء، ويمكنني التعرف على معظم الطيور المحلية بمجرد سماع صوتها أو لمحها بطرف العين. أعتقد أن العادات القديمة تموت بصعوبة..
أحببت في هذه الهواية رؤية الحياة البرية بالقرب من البشر، مشهد متاح للكل لكن القليل من يختار رؤيته. جمال الطيور البحرية وهي تحلق في تشكيل بالقرب من الغروب، هذه المناظر ستبقى في ذاكرتي للأبد.