Category: war zone (Page 2 of 3)

كيفية التعامل مع مخلفات الحرب والألغام

هذه التدوينة للتوعية بمخاطر مخلفات الحروب. هذا الموضوع يمسني بشكل شخصي لانني نزحت مع أسرتي من البيت وتحول حينا لمنطقة حرب. ثم عدنا للتعامل مع الألغام ومخلفات الحرب ..

جانب من مخلفات السلاح التي وجدناها حول المنزل

مع ان الحرب توقفت إلا أن الموت لم يتوقف. ولا تزال الألغام والقذائف الغير متفجرة تحصد أرواح المدنيين والمختصين في التعامل مع الألغام. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

حتى شهر سبتمبر الماضي تم تفجير 20 طنا من مخلفات الحروب جمعت من جنوب طرابلس، حسب مصادر منظمة حقول حرة.

1. لا تقترب

قم بتعليم المنطقة جيدا والتأكد من أن لا أحد يقترب من المقذوف خاصة الأطفال الصغار. والأطفال بالذات بسبب فضولهم وحركتهم السريعة عرضة للخطر أشد من الكبار في هذه المسائل. وان رأيت لافتات تحذير أو كتابة على جدار. فأنصحك بأخذها بجدية.

ملصق من المنطقة لا يزال منصوبًا حتى الساعة
لا تتجاهل مثل هذه الكتابات التحذيرية

2. لا تلمس

مهما بدا الأمر أمنا أو مغريا. لا تحاول مس أي من مخلفات الحرب الغير متفجرة. ابسط اهتزاز قد يتسبب في تفجير اللغم أو القاذف الغير متفجر. الموت والإعاقة تنتظر ..
حتى بقايا القذائف المتفجرة سامة ولا يجب مسها باليد. والأفضل ترك ذلك للمختصين.

3. بلغ

إذا رأيت مقذوفا او شيئا يشبه اللغم فقم بالتبليغ عنه على الفور. وألح في الطلب حتى تحصل على نتيجة. كانت لي تجربة إيجابية جدا مع فريق تفكيك الألغام التابع للهندسة العسكرية الصيف الماضي. وأشكر جدا تعاملهم المهني و الاحترافي مع الأزمة رغم فداحة وحجم الضرر وانتشار الألغام والقواذف.

مقذوف شديد التفجير عثرت عليه وأنا أتمشى منذ بضعة أشهر، تم التعامل معه من قبل الهندسة العسكرية
مقذوف غير متفجر مغروز على الأرض ومحاط بأحجار لتمييزه

4. التوعية

بنشر ملصقات بها صور الألغام والمقذوفات والتنبيه والتكرار في كل منبر إعلامي وديني (وحتى خطبة يوم الجمعة). وهذه التدوينة جزء من الخطوة الرابعة. وإياك ثم إياك نزع لافتة أو ملصق أو تمزيقه.. أنت تعرض حياة المدنيين للخطر بفعل ذلك!

ملصق توعية بأضرار الحرب تم تمزيقه

الحرب شيء قذر ولعين. كما من يطبل لها ويسعرها ويبررها. لا يدفع ثمنها سوى البائسون والبسطاء. هذه بعض نتائج الظلم والعدوان.
أتمنى أن تكون هذه خاتمة الأحزان..

8 سنوات من التدوين

يصادف ذكرى إنشائي للمدونة هذه السنة عيد الفطر المبارك. كل العام والأمة الإسلامية والشعب الليبي بألف خير. واللهم أرزقنا

الأمن والأمان في بلادنا.

بأي حال جئت يا عيد؟

عيد هذه السنة عيد استثنائي بكل ما تحمله الكلمة من معنى – وهذا ليس أمرًا جيدًا بالضرورة -. أتى العيد هذه السنة ومئات الآلاف في موطني وأنا منهم نازحون مشردون خارج منازلنا. من الصعب أن تحس بفرحة العيد وأنت مبعد قسرًا عن منزلك وأهلك وأصدقائك وبلدتك. أعتقد أن هذا هو التطور الطبيعي لتدوينة كوابيس طرابلس. مرحلة ما بعد النزوح.

مرض “كورونا”

عيد هذه السنة يتزامن مع جائحة لم تشهد لها الدنيا مثيلا منذ قرن كامل. مرض أوقف العالم على أهبة الاستعداد .. وأجبر الدول العظمى على وقف عجلة الصناعة والإنتاج.. مكلفا اقتصاديات الدول العظمى مليارات الدولارات من الخسائر. وأجبر الناس في العالم بأسره على التقوقع في بيوتها  لأسابيع طويلة خوف العدوى وانتشار المرض. الكثير من الدول – ومنها ليبيا – أعلنت حظر التجول الكامل خلال عيد الفطر المبارك تجنبا للعدوى. وهو قرار رغم قسوته على النفس إلا أنه أهون الضررين.

“ليس العيد لمن لبس الجديد”

ربما نعثر هنا على عبرة وهي أن العيد ليس بالملابس الفاخرة والزيارات العائلية. وحتى إن مر هذا العيد في الحجر الصحي فسيكون هناك عيد آخر السنة القادمة إن شاء الله – بعد أن فات العيد الماضي دون صلاة ولا معايدة  وشكرا للأخ حاد البصر” زرقاء اليمامة” من سمنو الذي رأى الهلال بعد أفوله! وبعض الشهادات الخاطئة من هنا وهناك التي دخلت التاريخ الليبي من أوسع أبوابه. وأدت بوزارة الاوقاف للتراجع عن إعلان تمام الشهر وإعلان عيد الفطر بدلا عنه. أنا لم أفطر ولم أعيد حتى اليوم التالي- . مزيد من التفاصيل حول ذلك اليوم في تدوينة الأخ صلاح من جمعية رؤية.

مأساة النزوح

في مسودة سابقة كنت قد أعددتها ثم أتلفتها ظننت أن العيد سيكون في منزلنا إن شاء الله فيكون العيد عيدين، عيد الفطر، وفرحة بالرجوع للبيت بعد طول غياب. لكن قدر الله وما شاء فعل ويستمر الابتلاء والغربة والنزوح والبعد عن الديار. حتى يقضي الله أمرا.
فقدت الرغبة في الكتابة والتدوين وممارسة الحياة بشكل عام بعد هذه المعضلة. ولست أدري متى يأتي منها الفرج.
الشيء المؤلم أنه لا أحد يهتم بمعاناة النازحين، لا الحكومة ولا البلدية، ولا حتى المواطنين. مناطق كاملة فرغت من سكانها وتحولت لساحة قتال بالأسلحة الثقيلة .. أيعقل هذا؟

 

 علي أن أعترف أنني لم أكن ناشطًا يدافع عن حقوق النازحين قبل نزوحي.. لكني تمنيت لهم الرجوع وتعوذت بالله من حالهم، حتى حل القضاء واصبحنا رقمًا في إحصائية النازحين..

هذه المدونة

ثمان سنوات قد مرت منذ أطلقت هذه المدونة على الإنترنت. أكثر من 500 تدوينة، و 500 ألف مشاهدة، وأكثر من ألف تعليق على مختلف المواضيع والمجالات. أحب أن أفكر فيها على أنها شاهد على رحلة نموي وتطوري كإنسان على الصعيد المهني والشخصي.
لا تزال لدي خطط كبيرة لتنمية هذه المدونة وصقلها. وعديد الأفكار التي لا أجد الطاقة ولا الدافع لكتابتها في الوقت الراهن. لكنني موقن أن هذا الوقت سوف يمضي ..

ختامًا، كلمة لك أيها القارئ

شكرا لك لكونك جزءًا من هذه الرحلة التي استغرقت قرابة عقد من الزمان. رحلتي شأنها كشأن كل القصص فيها ارتفاعات وانخفاضات.. لحظات نجاح باهر وفشل ذريع. لكنها بتداخلها وتقاطعها ترسم فسيفساء جميلة متباينة الألوان. تحتاج فقط أن تبتعد عنها قليلا لتمتع عينيك برؤية الصورة الكاملة.
أسأل الله أن يفرج هذا الكرب ويرفع عنا هذا الداء والبلاء والابتلاء.

كوابيس طرابلس

هذه التدوينة بحاجة لتوطئة تاريخية، ها نحن ذا!

مجلة سامر، كم من الرعب يمكن تقديمه لطفل؟

وأنا صغير قرأت الكثير من المطبوعات اللبنانية التي كانت متوافرة في البيت مثل مجلة سامر، حاول المؤلفون تسليط الضوء بطريقة يفهمها اﻷطفال على بشاعة الحرب اﻷهلية ورعب اﻷطفال وهم يتنقلون بين الملاجئ خوفًا من القذائف العشوائية والصواريخ، وكانت هذه القصص تشعرني بالخوف.

بشاعة الحرب اللبنانية

كبرت قليلا وطالعت كتاب كوابيس بيروت لغادة السمان، وهالني هول ما قرأت! كيف يمكن لأبناء الوطن الواحد أن يشهروا السلاح في وجوه بعضهم البعض، الخوف من الرصاص الطائش ورعب الحواجز اﻷمنية (البوابات)، كيف أن اسمك على البطاقة يحدد ان كنت ستعود لمنزلك الليلة أم لا؟

تروي الكاتبة كيف أنها علقت تحت نيران القناصة حتى أتت سيارة مصفحة وحملتها إلى بر اﻷمان. رواية مكتوبة ببراعة وتجسد جزءًا من هول الحرب اﻷهلية.

غزو العراق 2003

سنة 2003 كانت سنة مفصلية في سيناريو الحروب اﻷهلية، أمريكا اجتاحت العراق وسط رفض المجتمع الدولي واستنكار العالم بأسره، لكن ما حدث قد حدث، والرسالة وصلت بقوة أن كل دولة في المنطقة يمكن أن تكون في مكان العراق الشقيق، تلك الصور من العراق أصابتني بالرعب وأنا ابن 13 عاما! هل يمكن أن يحدث هذا لنا؟ ونحن خرجنا للتو من عشر سنوات من الحصار الاقتصادي الخانق بسبب حادثة لوكربي الشهيرة؟ كانت كل المؤشرات تدل أن ليبيا ستنال مصير العراق وكنت شبه موقن من أن ما حدث لبغداد سيحدث لطرابلس..

“الربيع العربي” 2011

 كل شيء حدث بسرعة شديدة، الاحتجاجات عمت ربوع البلاد، قمع عنيف للمظاهرات ومطالبة بالتدخل الدولي لحماية المدنيين، تلا ذلك خمسة أشهر من القصف العنيف من قبل طائرات التحالف، لم أرى في حياتي شيئًا مثل هذا، نسمع أزيز الطائرة ثم بوووووووووم! يهتز البيت حتى يكاد يقع ونفقد السمع لبضع ثوان. ثم انتهت تلك الحرب وساد السلام، أو كنا نظن ذلك على اﻷقل.

ليس هناك ذكر لتلك الفترة على المدونة سوى قطع الانترنت. احاول تجنب السياسة قدر المستطاع، لكن بلغ السيل الزبى صراحة..

فجر ليبيا 2014

الفترة ما بين 2011 – 2014 كانت هناك اشتباكات بدأت صغيرة وخفيفة، عملية قبض تحولت لمواجهة بالسلاح، اشتباك بين مجموعتين محليتين حول مقر ما أو شخص تم خطفه، وككل شيء اشتدت وتيرتها وأثارها تدريجيا حتى بلغت ذروتها في العام 2014، 50 يوما من القتال العنيف وسط المدينة بالسلاح الثقيل، لا يمكنني وصف الرعب الذي شعرنا به عندئذ، المدينة خاوية من سكانها ولا يسمع إلا صوت القذائف ويتصاعد الدخان من كل شيء، باستثناء عشية اجلاء السفيرة اﻷمريكية، تلك كانت أمسية هادئة..

حرق خزانات النفط في حرب فجر ليبيا

الكهرباء تقطع لثمانية عشر ساعة وأكثر خلال اليوم، البيت بالكامل يهتز لوقوع قذيفة بالقرب منه، الخوف يجثم على الصدور، والكل يشعر بالعجز. أرسلت رسالة لصفحة المجلس البلدي على الفيسبوك أستغيث بهم، فردوا علي بجملة (ربي يحفظكم ويكون في عونكم)، لماذا انتخبكم الناس اذا؟؟ لتردوا عليهم بنبرة العاجز المستضعف عندما تحدث أزمة؟ !

نهاية حتمية

انتهت تلك الحرب البشعة، لو سألت أي شاب أو شابة من سكان طرابلس سيخبرونك أن تلك الفترة هي اﻷسؤا في حياتهم دون منازع، الكل فقد شيئًا أو شخصًا عزيزًا عليه، الكثيرون مروا بتجربة النزوح المريرة، ليس الكل يمتلك مسكنا خارج طرابلس (الكثيرون لا يمتلكون مسكنا داخل طرابلس، ناهيك عن خارجها). تردي الوضع الاقتصادي تسارعت وتيرته بعد تلك الحرب وكذلك الانقسام السياسي.

ما بعد الفجر

من حين لأخر حدثت اشتباكات متعددة في ضواحي المدينة، عادة تغلق تلك الناحية وما يؤدي لها بالسواتر الترابية ويمضي الناس إلى حياتهم بشكل شبه طبيعي، لكن هذه المرة كانت أكبر وأخطر بكثير. .

أغسطس 2018، ماذا تسمي هذا العبث؟

أواخر أغسطس اندلعت الحرب دون مبرر- وهل من مبرر للحرب؟ وبدأت القذائف تنهمر على البيوت اﻷمنة، بيانات تستنكر وحكومات تشجب، وفرصة لكل من تسول له نفسه الطعن في خصم سياسي، دون اعتبار لحياة المدنيين وأمنهم.

سقوط قذيفة على حي سكني بضواحي العاصمة

صور تناقلتها وسائل التواصل لدبابات ومدرعات ومدافع تنقل إلى اﻷحياء السكنية! هل أنتم تحررون فلسطين أيها الملاعين؟ أنتم تتحاربون وسط منازلنا ومساجدنا وشوارعنا؟! لماذا تفعلون ما تفعلونه؟

نقل دبابة إلى مناطق الاشتباك (الصورة من جزيرة الفرناج جنوب شرق طرابلس)

 

إنزال دبابة في الاشارة الضوئية صلاح الدين (جنوب طرابلس)

أيام عصيبة من انتظار المحتوم، بدون كهرباء ووسائل إتصالات، المحلات التجارية نفدت بضائعها وأقفلت أبوابها خوف النهب والسلب، ورائحة القمامة تسد اﻷنوف.

كيف هي الحياة تحت خط النار؟

 هل تسقط علينا قذيفة عشوائية تنهي حياتنا هنا واﻵن؟ هل سنصحو في الصباح لنجد أنفسنا كاملين ولسنا أشلاء (هل يصحو من تحول لأشلاء؟)، وإن صحونا هل سنعيش لنرى نهاية هذا اليوم؟

الناس تأكل تحت القصف، وتنام تحت القصف، وتحلم تحت القصف بغد أفضل، وتحب وتكره تحت القصف. القصف ليس حالة صوفية من التأمل والخروج من الجسد، هي نفس الحياة بشعور أكبر بالخطر واستنفار لكامل الحواس.

أعيد التفكير في الموت والحياة على صوت الرصاص، كم هي تافهة الحياة التي يمكن أن تأخذها قطعة صغيرة من النحاس أو شظية عشوائية أطلقها مراهق مخمور يحارب حربا لا يفهم لماذا يحاربها.

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

معضلة النزوح

نفس اﻷسئلة تراودني كلما اشتدت وتيرة القصف بين الاخوة اﻷعداء: هل نغادر بيتنا؟ إلى أين؟ هل سنجده في مكانه لو خرجنا؟
المكالمات المتعاطفة نفسها التي تزيدنا خوفا: “أطلعوا! شن قاعدين اتديروا غادي؟؟ أطلعوووووا”. “ردوا بالكم على أرواحكم”, كيف سأفعل ذلك؟ هل أنام في العادة فوق السطح فاتحا ذراعي للقذائف؟ أسئلة مستفزة ظاهرها التعاطف وأشك أنها فقط لغرض قطع الملام.

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

اسال نفسي دائما: مالذي سأخذه معي في حالة أنني سأغادر البيت؟ المنطق يقول: جواز السفر وبعض المال، لكن لدي أشياءً أخرى تهمني وأريد أخذها معي، هل تستوقفنا بوابة تسلب كل متاعنا وربما حياتنا؟ هل وهل وهل.

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

كثير من اﻷسئلة المقلقة التي يجب أن يكون لدي جواب عنها في حالة أنني سأستمر في العيش في هذا البلد.

جاهلية القرن الحادي والعشرين

العرب في الأشهر الحرم كانت توقف القتال وتعظم الهدنة قبل الاسلام، لكن الذين أبتلينا بهم لا يعظمون شيئًا سوى الدم والرصاص.
أحيانا يخيل إلي أننا نعيش في الجاهلية، مع أجهزة أيفون وسيارات!

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

هل يستمر هذا السلام الهش؟

إلى متى سيستمر هذا الوضع الراهن؟ هل يدوم وقف إطلاق النار الذي رعته اﻷمم المتحدة؟ هل سيعود السلام إلى ليبيا يومًا ويختفي منها شبح الخوف، كل الخوف؟ أم أنها ستعيش على خط المواجهة دائما؟
هل يجب أن نصبح لاجئين في دول المهجر نحمل أوطاننا بين أضلعنا؟ لماذا تطرديننا يا ليبيا ولا مكان لنا غيرك؟

طرابلس البائسة

مدينة طرابلس التي تردت أحوالها في السنوات اﻷخيرة وتذيلت قوائم المدن الصالحة للمعيشة، وصارت عروس البحر أرملة يطمع فيها كل من في قلبه مرض، مدينة حزينة معدومة الخدمات، تختنق من الزحام والتوقف العشوائي، ويجثم على انفاسها حرق القمامة وسكب مياه المجاري في البحر المتوسط. لكنها قبلة أنظار المتصارعين حتى في خرابها اﻷخير.

ليست هذه أول حرب تعيشها هذه المدينة، ولن تكون اﻷخيرة، هل يمكننا تحمل حرب أخرى؟ إلى متى نعيش بين الشك واليقين؟ أتمنى السلام لهذا البلد المنهك..

هل يمكن أن تسوء الأمور أكثر؟ نعم!! طالع هذه التدوينة..

(توجد تدوينة مشابهة باللغة الانجليزية هنا).

يوم سبت أخر في طرابلس

اليوم هو يوم السبت، ما يعني أن صديقي سيتصل بي مستفهما عن سبب تأخري عن موعد لقائنا الأسبوعي، الأمر ليس رسميًا أو ما شابه ولكنه صار إحدى تلك التقاليد التي لا نريد تغييرها ولا تسميتها بشكل واضح.

سواتر رملية هنا وهناك

السواتر الرملية التي وضعت في مداخل المنطقة جعلت الخروج منها أصعب مما هو عليه عادة، ويبدو أن هذه السواتر زادت في الليل لتشمل كل جوانب التقاطع (بدلا من جانبين فقط باﻷمس)، ما اضطرني للالتفاف عدة مرات قبل الوصول للطريق الرئيسي!

هذه السواتر الترابية ظاهرة قبيحة ومزعجة، والناس أشد خوفا من أن يزيلوا هذه السواتر حتى بعد أسابيع من مرور الاشتباكات، وقد يكتفون بحفرها والمرور داخلها واحدًا وراء الأخر (وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)، وكدت أقضي ليلة في الشارع فيما مضى بسبب غلق كل المنافذ للمنطقة بهذه الطريقة!

ساتر ترابي بأحد شوارع العاصمة طرابلس

شاي في “القهوة”!

سلكت طريقي نحو المقهى الذي نجلس فيه صباح السبت أحيانًا (عدد من الطرق الأخرى مقفلة لسبب ما أو لأخر) . مع مرور الوقت صارت وجوه رواد المقهى أليفة فعلا وأتعرف على أصحابها وأماكن جلوسهم بمجرد دخولي للمكان، وحتى أحاديثهم التي تدور عادة حول ما حدث بالأمس وتحليلاتهم السياسية للوضع الراهن (هنالك مقهى بمنطقة الفلاح وضع ملصقا بوضوح يمنع الحديث في السياسة وأتمنى أن يطبقه هذا المقهى!) ورغم أنني لا أحب البن “الإيطالي” المستعمل في تحضير القهوة إلا أن الجلسة هنالك لطيفة!

كوب من الشاي بدلا من البن الإيطالي الذي لا أحبه

الغلاء والسيولة

كالعادة سبقني صديقي للمقهى وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، الأحاديث نفسها مكررة ومهترئة الأطراف نوعًا ما تدور في مجملها حول غلاء الأسعار ووقت كانت فيه الحياة أفضل نسبيًا مع الدليل والتفاصيل (لن يغضب صديقي من ذكر محادثاتنا فهو لا يقرأ مدونتي أصلاً رغم أنه مذكور فيها من قبل!) يقاطع أحاديثنا هذه دخول امرأة تطلب صدقة بإلحاح أو طفل يبيع المناديل الورقية، الأزمة الاقتصادية نزلت بثقلها على الفقراء ودفعتهم لحلول يائسة لتوفير لقمة العيش.

أعتقد أن قدرة الناس بشكل عام على الصمود رغم الظروف الأمنية المهترئة وشح السيولة هي مزية تستحق الإعجاب والتقدير، والوقوف عندها لوهلة والنظر إليها مليًا، فهم لم يستسلموا للوضع الراهن وحاولوا إيجاد طرق بديلة لكسب الرزق، لا أويد دفع الرشاوي وأخذ الربى بأي حال من الأحوال، بل العمل الحلال الطيب الجاد لكسب الرزق هو ما يثير إعجابي.

 خارج المقهى كان هناك رجل جالس نعرفه من قبل على أنه يرتب الكراسي أمام المقهى بمقابل زهيد، لكنه اليوم كان يسب ويلعن كل شيء وأي شيء يتحرك بل ورواد المقهى الجالسين سبابا مغلظًا فاحشًا (سبابه يصل إلى الكفر والعياذ بالله)، لا أحد تحرك نحوه أو كلمه بل تركوه في حالته هذه، نفس الأشخاص الذين يتخطون السواتر الرملية بحرص هم الذين تلقو الشتائم اللاذعة من هذا الأخرق المخمور دون أن يرف لهم جفن (لست متأكدًا إن كان مخمورًا أم لا فأنا لم أطل النظر إليه بما يكفي).

السلبية كأسلوب للمقاومة

السلبية ليست أسلوب مقاومة، والسكوت وانتظار انجلاء الغيمة لن يجليها فعلا، الطريق المقفل بالسواتر لن ينظف نفسه والأبله الذي يشتم رب العزة (تعالى عما يشركون) لن يصمت من تلقاء نفسه إن لم ينكر أحد عليه هذا المنكر الذي يفعله.

كنت قد تحدثت من قبل عن أساليب المقاومة السلمية كالعصيان المدني لمواجهة غلاء الأسعار وتأخر نزول المرتبات ولكن لا حياة لمن تنادي! أخر مرتب وصل للمصارف كان شهر 12 من السنة الماضية، وحتى الآن شهر يناير وفبراير لم يصل بعد من وزارة المالية ومارس انتصف وكاد ينقضي، هذا على افتراض أن المصارف بها سيولة كافية لإعطاء المواطنين أموالهم وأن وزارة التعليم ستصرف لي مرتبي (أي وزارة فيهم تحديدًا؟؟).

رحلة العودة كانت أوضح قليلًا لأنني الآن أعرف ماهي التقاطعات المغلقة بالسواتر، هدوء حذر يخيم على الطرقات والجميع يترقب ما سيحدث تاليًا، لم ألاحظ ازدحاما على محطات الوقود أكثر من العادة وهذا أمر جيد، البعض يتوقع أن تندلع الحرب من جديد وأتمنى أن لا يحدث ذلك أبدًا!

دور وسائل التواصل الاجتماعي

بزغ نجم وسائل التواصل الاجتماعي بعد ثورات الربيع العربي في عام 2011 وصارت الوسيلة المفضلة لنقل الأخبار والأحداث اليومية، وهي تعتبر نقلة نوعية في عالم التواصل كان يصعب تخيلها، فكل من لديه اتصال بالإنترنت يستطيع أن يتحدث مع الآخرين ويشارك أفكاره في الزمن الحقيقي، الأمر الذي كان مستحيلا بهذه الطريقة (باستثناء شريط شات القنوات الفضائية).
ولكن بدلا من أن تتحسن نوعية حياة المواطن فقد أضرت وسائل التواصل الاجتماعي بالإنتاجية وأصبحت منبرا لنشر الفتن والكراهية والأخبار الكاذبة والشائعات المغرضة!!

بدلا من أن ينظم المواطنون حملات لمراقبة الأسعار ومقاطعة التجار المستغلين أو صيانة الطرق المتهالكة ومساعدة بعضهم البعض تجدهم يتقاتلون طول اليوم على الفيسبوك ويتبادلون الكلام الفارغ والاتهامات بالسب والشتم والقذف والتكفير!
وبدلا من أن يصل الناس بعضهم تنتشر القطيعة والبغضاء بينهم.

مجموعات إيجابية

لكي لا نعمم توجد مبادرات إيجابية مثل مجموعة المسار الأمن التي تعطي تحديثات للطرق في مدينة طرابلس أولا بأول، والتي أراها التفافا على المشكلة الحقيقية وليست علاجًا. كذلك مجموعة بطاقة الصديق الجمهورية التي تشارك أماكن تواجد ألات سحب النقود التي تعمل ليتمكن المواطنون من السحب وأماكن الأسواق التي تعمل بهذه البطاقة، تحية لهم على مجهوداتهم!

ختامًا

أسبوع جديد يبدأ غدًا الأحد، هذا يعني المزيد من الركض العبثي خلف المرتب والوقوف في طوابير المصرف وتخطي السواتر الترابية هنا وهناك لمطاردة لقمة العيش و أملا في مستقبل أفضل، هذا طبعًا في حالة عدم تجدد المعارك لنضطر لعطلة إجبارية لطيفة مع الأهل والجيران على أنغام الدبابات ومدافع الهاوتزر!

ما رأيك في هذه التدوينة؟ شاركني برأيك في قسم التعليقات باﻷسفل.

« Older posts Newer posts »