Category: أزمة (Page 4 of 6)

يوم سبت أخر في طرابلس

اليوم هو يوم السبت، ما يعني أن صديقي سيتصل بي مستفهما عن سبب تأخري عن موعد لقائنا الأسبوعي، الأمر ليس رسميًا أو ما شابه ولكنه صار إحدى تلك التقاليد التي لا نريد تغييرها ولا تسميتها بشكل واضح.

سواتر رملية هنا وهناك

السواتر الرملية التي وضعت في مداخل المنطقة جعلت الخروج منها أصعب مما هو عليه عادة، ويبدو أن هذه السواتر زادت في الليل لتشمل كل جوانب التقاطع (بدلا من جانبين فقط باﻷمس)، ما اضطرني للالتفاف عدة مرات قبل الوصول للطريق الرئيسي!

هذه السواتر الترابية ظاهرة قبيحة ومزعجة، والناس أشد خوفا من أن يزيلوا هذه السواتر حتى بعد أسابيع من مرور الاشتباكات، وقد يكتفون بحفرها والمرور داخلها واحدًا وراء الأخر (وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)، وكدت أقضي ليلة في الشارع فيما مضى بسبب غلق كل المنافذ للمنطقة بهذه الطريقة!

ساتر ترابي بأحد شوارع العاصمة طرابلس

شاي في “القهوة”!

سلكت طريقي نحو المقهى الذي نجلس فيه صباح السبت أحيانًا (عدد من الطرق الأخرى مقفلة لسبب ما أو لأخر) . مع مرور الوقت صارت وجوه رواد المقهى أليفة فعلا وأتعرف على أصحابها وأماكن جلوسهم بمجرد دخولي للمكان، وحتى أحاديثهم التي تدور عادة حول ما حدث بالأمس وتحليلاتهم السياسية للوضع الراهن (هنالك مقهى بمنطقة الفلاح وضع ملصقا بوضوح يمنع الحديث في السياسة وأتمنى أن يطبقه هذا المقهى!) ورغم أنني لا أحب البن “الإيطالي” المستعمل في تحضير القهوة إلا أن الجلسة هنالك لطيفة!

كوب من الشاي بدلا من البن الإيطالي الذي لا أحبه

الغلاء والسيولة

كالعادة سبقني صديقي للمقهى وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، الأحاديث نفسها مكررة ومهترئة الأطراف نوعًا ما تدور في مجملها حول غلاء الأسعار ووقت كانت فيه الحياة أفضل نسبيًا مع الدليل والتفاصيل (لن يغضب صديقي من ذكر محادثاتنا فهو لا يقرأ مدونتي أصلاً رغم أنه مذكور فيها من قبل!) يقاطع أحاديثنا هذه دخول امرأة تطلب صدقة بإلحاح أو طفل يبيع المناديل الورقية، الأزمة الاقتصادية نزلت بثقلها على الفقراء ودفعتهم لحلول يائسة لتوفير لقمة العيش.

أعتقد أن قدرة الناس بشكل عام على الصمود رغم الظروف الأمنية المهترئة وشح السيولة هي مزية تستحق الإعجاب والتقدير، والوقوف عندها لوهلة والنظر إليها مليًا، فهم لم يستسلموا للوضع الراهن وحاولوا إيجاد طرق بديلة لكسب الرزق، لا أويد دفع الرشاوي وأخذ الربى بأي حال من الأحوال، بل العمل الحلال الطيب الجاد لكسب الرزق هو ما يثير إعجابي.

 خارج المقهى كان هناك رجل جالس نعرفه من قبل على أنه يرتب الكراسي أمام المقهى بمقابل زهيد، لكنه اليوم كان يسب ويلعن كل شيء وأي شيء يتحرك بل ورواد المقهى الجالسين سبابا مغلظًا فاحشًا (سبابه يصل إلى الكفر والعياذ بالله)، لا أحد تحرك نحوه أو كلمه بل تركوه في حالته هذه، نفس الأشخاص الذين يتخطون السواتر الرملية بحرص هم الذين تلقو الشتائم اللاذعة من هذا الأخرق المخمور دون أن يرف لهم جفن (لست متأكدًا إن كان مخمورًا أم لا فأنا لم أطل النظر إليه بما يكفي).

السلبية كأسلوب للمقاومة

السلبية ليست أسلوب مقاومة، والسكوت وانتظار انجلاء الغيمة لن يجليها فعلا، الطريق المقفل بالسواتر لن ينظف نفسه والأبله الذي يشتم رب العزة (تعالى عما يشركون) لن يصمت من تلقاء نفسه إن لم ينكر أحد عليه هذا المنكر الذي يفعله.

كنت قد تحدثت من قبل عن أساليب المقاومة السلمية كالعصيان المدني لمواجهة غلاء الأسعار وتأخر نزول المرتبات ولكن لا حياة لمن تنادي! أخر مرتب وصل للمصارف كان شهر 12 من السنة الماضية، وحتى الآن شهر يناير وفبراير لم يصل بعد من وزارة المالية ومارس انتصف وكاد ينقضي، هذا على افتراض أن المصارف بها سيولة كافية لإعطاء المواطنين أموالهم وأن وزارة التعليم ستصرف لي مرتبي (أي وزارة فيهم تحديدًا؟؟).

رحلة العودة كانت أوضح قليلًا لأنني الآن أعرف ماهي التقاطعات المغلقة بالسواتر، هدوء حذر يخيم على الطرقات والجميع يترقب ما سيحدث تاليًا، لم ألاحظ ازدحاما على محطات الوقود أكثر من العادة وهذا أمر جيد، البعض يتوقع أن تندلع الحرب من جديد وأتمنى أن لا يحدث ذلك أبدًا!

دور وسائل التواصل الاجتماعي

بزغ نجم وسائل التواصل الاجتماعي بعد ثورات الربيع العربي في عام 2011 وصارت الوسيلة المفضلة لنقل الأخبار والأحداث اليومية، وهي تعتبر نقلة نوعية في عالم التواصل كان يصعب تخيلها، فكل من لديه اتصال بالإنترنت يستطيع أن يتحدث مع الآخرين ويشارك أفكاره في الزمن الحقيقي، الأمر الذي كان مستحيلا بهذه الطريقة (باستثناء شريط شات القنوات الفضائية).
ولكن بدلا من أن تتحسن نوعية حياة المواطن فقد أضرت وسائل التواصل الاجتماعي بالإنتاجية وأصبحت منبرا لنشر الفتن والكراهية والأخبار الكاذبة والشائعات المغرضة!!

بدلا من أن ينظم المواطنون حملات لمراقبة الأسعار ومقاطعة التجار المستغلين أو صيانة الطرق المتهالكة ومساعدة بعضهم البعض تجدهم يتقاتلون طول اليوم على الفيسبوك ويتبادلون الكلام الفارغ والاتهامات بالسب والشتم والقذف والتكفير!
وبدلا من أن يصل الناس بعضهم تنتشر القطيعة والبغضاء بينهم.

مجموعات إيجابية

لكي لا نعمم توجد مبادرات إيجابية مثل مجموعة المسار الأمن التي تعطي تحديثات للطرق في مدينة طرابلس أولا بأول، والتي أراها التفافا على المشكلة الحقيقية وليست علاجًا. كذلك مجموعة بطاقة الصديق الجمهورية التي تشارك أماكن تواجد ألات سحب النقود التي تعمل ليتمكن المواطنون من السحب وأماكن الأسواق التي تعمل بهذه البطاقة، تحية لهم على مجهوداتهم!

ختامًا

أسبوع جديد يبدأ غدًا الأحد، هذا يعني المزيد من الركض العبثي خلف المرتب والوقوف في طوابير المصرف وتخطي السواتر الترابية هنا وهناك لمطاردة لقمة العيش و أملا في مستقبل أفضل، هذا طبعًا في حالة عدم تجدد المعارك لنضطر لعطلة إجبارية لطيفة مع الأهل والجيران على أنغام الدبابات ومدافع الهاوتزر!

ما رأيك في هذه التدوينة؟ شاركني برأيك في قسم التعليقات باﻷسفل.

خلعت النظارة السوداء

قررت بعد تفكير طويل حفزته نصيحة من أحد معارفي أن أتخلى عن المنظور السوداوي الكئيب الذي أنظر من خلاله للحياة، لا يبدو الأمر بهذه السهولة خاصة وأن ذات الظروف الصعبة لا تزال مهيمنة بقوة على المشهد.

 

نظارات شمسية سوداء

لا تزال الأمور كما هي عليه، ربما هذه نعمة في ظل الظروف الحالية أن اﻷحوال لم تزد سوءَا. لست في موضع يسمح لي بتقييم الوضع والحكم عليه، فأنا ببساطة أفتقر للمنظور الملائم للحكم على الأمور وتقييمها.

لا أدري متى تنقشع هذه الغمامة السوداء، أحيانا يبدو كأنها لن تنقشع أبدًا ولن تفارق المشهد; لكنني قررت أنني لن أنتظر ذلك.

من السهل حقيقة الانزلاق في دوامة البؤس، فهي هناك وجاذبيتها قوية، تستمد قوتها من وطأة الأوضاع الراهنة.

يكفيك فتح أحد شبكات التواصل الاجتماعي، وكل ما ستطالعه عيناك هو مظاهر البؤس والشقاء، هذه البلاد وهذه المدينة نالت حصتها من العذاب، أعتقد ذلك على الأقل.

كوب ماء نصف مليء أو نصف فارغ

خوارزميات غامضة

المشكلة الحقيقية أن المواقع مثل فيسبوك وتويتر تعمل بطريقة معينة، تقوم فيها خوارزميات الموقع بجلب الأشياء المشابهة للأشياء التي تطلع عليها باستمرار، لذلك كلما تعمقت في هذه الأخبار (التي ثبت أن بعضها كاذب ومفبرك) كلما ستأتي إليك أخبار أكثر وأكثر! أعتقد أن الشبكات الاجتماعية تجعل الحياة أقل سعادة فعلا.
قبل أن ندخل في هراء التنمية البشرية وأن الكوب نصف ممتلئ بدلا من أن يكون نصف فارغ، قررت أن أشرب طالما هنالك ماء!

الجانب اﻷخر

بدلا من النظر إلى الكوارث والسلبيات قررت أن أكون منصفًا وأبحث عن بعض الجمال في الوجود الذي من حولنا، ويجب أن أعترف بأن هذا لم يكن أمرَا صعبًا!
لن أتحول إلى النقيض وأنغمس في عالم خيالي تحفه الورود والفراشات وأقواس قزح، فهو أمر لا يقل سخافة عن النظارات السوداء في الجانب الأخر.

يوجد الجمال من حولنا كما يوجد القبح والشر والسلبيات، والحكمة تقتضي النظر إلى الأمور من كل جوانبها، لا بتفضيل أحد الجوانب على الأخر.
أسأل الله أن يفرج كرباتنا ويقضي حوائجنا عن قريب.

هذه التدوينة ليس لها علاقة بتاريخ اليوم، اليوم جمعة وسأعامله على هذا الأساس فقط.

ما رأيك في هذا المنظور؟ هل تعتقد أنه صواب أو خاطئ، وما تعليقك عزيزي القارئ؟

أزمة الإسكان في ليبيا

 تعاني ليبيا عامة وطرابلس خاصة من أزمة إسكان خانقة تجثم على صدور قاطنيها منذ عقود، لا تتوفر عقارات بالمدينة وليس هنالك أي تطوير معماري، بل إن السجل العقاري مقفل منذ سنة 2011 لمنع التجاوزات العقارية والاستيلاء على أموال الناس بالباطل.

 هذه التدوينة هي ملحق لتدوينة إنقراض الليبيين وفيها عزوت أحد أسباب الإنقراض إلى إرتفاع تكاليف الزواج، وكما نعلم جميعًا فإن من شروط الزواج وجود المسكن (وهو اﻷغلى بين كل المطالب).
لذا سأقوم بسرد الحلول المقترحة ووجهة نظر الليبيين فيه، والحكم للسادة القراء.

 

شراء منزل مستقل

 اشتراط العائلات لمسكن منفصل لبناتها من الطلبات التي تصعب على الكثيرين من الشباب، حيث يكلف المنزل الصغير من طابق واحد في ضواحي مدينة طرابلس مالا يقل عن 160 ألف دينار (تقريبا تساوي مئة ألف دولار بسعر الصرف الرسمي) بل وترفض بعض العائلات سكن بناتها في الضواحي بحجة بعدها عن سكن اﻷسرة! – حسب أسعار سنة 2014 –

وهذه الضواحي تكون بالقرب من المعسكرات وعرضة للاشتباكات والنزوح والتضرر من الحرب.

السكن بالإيجار

 ترفض اﻷسر السكن بالإيجار لبناتها (ويرفض أصحاب المساكن في كثير من اﻷحوال تأجيرها لليبيين حتى ولو وافق اﻷهل) طبعا لا نعمم ولكن الكثير من اﻷسر تتمسك بطلب المسكن المنفصل، والبعض يطالب بكتابة المسكن باسم ابنته كذلك، إن كنت تبحث عن منزل مجاني فلا أسهل من أن تطلق إبنتك من زوجها وتقفز في منزله بعد طرده منه!

 السكن مع العائلة

 هذا الحل مرفوض بشدة من الكثير من اﻷسر، حيث ترفض أن تعيش ابنتهم المصون في بيت أهل زوجها في طابق مستقل أعلى البيت أو بمنزل مستقل بنفس قطعة اﻷرض ويسوقون لذلك مختلف الحجج، بينما يوافقون على أن تسكن ابنتهم في عمارة تحيط بها اﻷسر الغريبة من كل مكان! حتى المساكن “الرخيصة” التي بدأت بها الفقرة متلاصقة وتفتح نوافذها على بعض، أيهم أفضل أن تجاور أهلك أم أن تجاور أناسًا لا تعرف عنهم أي شيئ؟ (سؤال للكثير من العائلات الليبية).

منازل تركيب

هذه المنازل شاعت في ليبيا بعد 2011 وتلقاها الليبيون بالإعراض والسخرية، فهي -تريلات- من الصفيح وليست منازل حسب تعبيرهم! رغم ان المنازل التي نبنيها من الطوب والأسمنت أغلى ثمنا وأكثر مما نحتاج في الدعم والتسليح، كما أنها ليست معزولة حراريًا وترتفع حرارتها صيفا وتتجمد شتاءً! وتستهلك طاقة أكثر للتبريد والتدفئة مما يحتاجه منزل معزول حراريًا، كما أنها عازلة للصوت ومضادة للتقلبات الجوية ومناسبة لدرجات حرارة ما تحت الصفر وفوق الخمسين درجة مئوية!

نموذج للمنازل التي تلقاها الليبيون بالسخرية والجفاء!

 البناء على قطعة أرض تشتريها بنفسك

اﻷرض في طرابلس استهلكت بالكامل! المصطلح العقاري أرض في طرابلس يعني في الضواحي البعيدة عن وسطها، التي أقيمت فيها أحياء سكنية كاملة بالمجهود الذاتي وخارج مخطط مدينة طرابلس العتيق الذي يرجع لسنة 1974، كما أن قروض المصارف ربوية، وحتى حين توافرها لم تمكن المواطن من استكمال منزله، هذا غير غلاء سعر اﻷرض ومواد البناء واليد العاملة (بعد رحيل الكثير من العمال اﻷجانب بسبب اﻷوضاع الراهنة في ليبيا) إلخ.

وحتى هذا الحل الإضطراري لم يعد حلًا بعد تجاوز قنطار اﻷسمنت لحاجز اﻷربعين دينار! ليلتحق هو اﻷخر بقطار الغلاء ويترك المواطن المطحون في حيرة من أمره
تحديث من سنة 2020 بعد الحرب على طرابلس تجاوز سعر القنطار ال 100 دينار وثبت في حدود الخمسين!!!

ما هو ناتج هذه العوامل؟

 جيل تتناهشه الإنحرافات ويكثر فيه التحرش والتبطل بحجة أن الحلال غال وأن العفاف لا يمكن وصوله، أي أن مجتمعنا يسارع في تدمير نفسه بنفسه، وتتحول الخلايا السليمة فيه إلى سرطانات تهاجم الخلايا السليمة اﻷخرى!

كل هذه العوامل تؤدي إلى تأخر سن الزواج وقلة الإنجاب وبالتالي انخفاض النمو السكاني، وأي نمو سكاني إن كان العريس سيعيش بالدين لبضعة سنوات ليدفع ثمن عرسه الخرافي؟ وهنا وفيت بوعدي للقراء بالحديث عن أزمة الإسكان الخانقة التي لم تنجح أي من الحكومات المتعاقبة في فعل أي شيئ حيالها! (من قبل أحداث فبراير وبعدها).

نظرة شاملة إلى اﻷزمة الليبية الراهنة

في اﻷونة اﻷخيرة كانت تدويناتي على نسق واحد تقريبًا، وهي اﻷزمة الليبية الجاثمة بثقلها على صدر المواطن البسيط، ورغم أنني تجنبت الخوض في السياسة لأنها وكما قال الشيخ اﻷلباني: “السياسة ترك السياسة”، مع كل الحب والإحترام للعلامة اﻷلباني، السياسة دخلت في كل نواحي الحياة الليبية اليومية، وصار الكل يحلل الوضع على هواه وإنتمائه، سأحاول النظر بشكل موضوعي إلى اﻷزمة.

إن اﻷزمات التي تحدثت عنها في تدوينات سابقة مثل: أزمة السيولة،ومعضلة الجوازات وانقطاع الكهرباء،  ونتائجها التي أدت لشراء المولدات وصيانتها بشكل مستمر، وأزمات أخرى لم أتناولها كأزمة البنزين وغاز الطهو وتطعيمات اﻷطفال وغيرها من ضرورات الحياة، ليست سوى نتائج لأزمة أكبر من ذلك بكثير.
اﻷزمة الليبية من النوع الذي يقف أمامه العاقل حائرًا متحيرًا، ومع ذلك فإنني سأحاول خوض غمار هذه اﻷزمة المعقدة بطريقة تجريدية غير خطية.

الإنقسام السياسي الليبي

توجد في ليبيا ثلاث حكومات على اﻷقل، إحداها في الشرق وتتبع لمجلس النواب الليبي، واﻷخرى في الغرب وتتبع للمؤتمر الوطني العام، وحكومة التوافق المنبثقة عن المجلس الرئاسي، ومصرفيين مركزيين ومؤسستين وطنيتين للنفط (رغم اتخاذ قرار مؤخرًا بدمج المؤسستين تحت جسد واحد).

ومن الواضح أن لا أحد من هذه الحكومات المتصارعة يملك زمام اﻷمور في ليبيا! ومسارات الحوار اللامنتهية برعاية اﻷمم المتحدة أيضًا أسلمت الشعب الليبي لمصير مجهول.

من يحكم اليوم في ليبيا؟ من لديه السلطة ليقرر؟ من هو ولي اﻷمر؟ كل هذه اﻷسئلة لا أملك لها جوابًا.

كل ما أعرف أنه قد حدث ما حدث، وأن لوم أي طرف على حساب اﻷخر أو تحميل أطراف معينة المسؤولية والإشارة بأصابع اللوم لن يغير مما حدث شيئًا. 

سبب خراب ليبيا هو الإنقسام السياسي

 

توقف تصدير النفط

تصدير النفط متوقف منذ بضع سنوات حيث قامت “مجموعات معينة” بقفل موانئ تصدير النفط الخام، ما أدى لنقص إنتاج النفط الليبي من مليون وستمئة ألف برميل يوميًا إلى ما دون النصف مليون برميل يوميًا ما كبد خزانة الدولة الليبية خسائر تقدر بعشرات المليارات من الدولارات!

ليبيا دولة نفطية وتعتمد على النفط بنسبة 100% في تدبير احتياجاتها واستيراد كل ما تستهلكه من الخارج، نعم! ليبيا تستورد كل شئ من الإبرة وحتى الصاروخ!! حتى البنزين يتم تكريره في الخارج وإعادته مجددًا إلى ليبيا!

كما أن انخفاض سعر النفط عالميًا زاد من حدة اﻷزمة الاقتصادية المتردية أصلًا.

الانفلات اﻷمني الكامل

لا وجود لأمن في ليبيا، مجموعة من المليشيات تستمد شرعيتها من اﻷمر الواقع تحكم الناس بالحديد والنار، والسلاح متوافر لدى الكل ما أدى لانتشار الخطف وطلب الفدية والسرقة بالإكراه، وانتشار التنظيمات المتطرفة في كل أرجاء ليبيا (أتحفظ عن ذكر هذه التنظيمات بالاسم لدواع أمنية بحتة)، والصراعات بين هذه التنظيمات والمليشيات والحكومات جعلت من حياة المواطن الليبي صعبة وعسيرة.

كما أن تهريب السلع التموينية والوقود إلى دول الجوار وعبر البحر صار شائعًا للغاية ويضر بمصلحة المواطن بشكل كبير.

الغلاء المعيشي وارتفاع سعر صرف الدولار

وصل سعر الدولار إلى خمسة دنانير، ما أثر على حياة المواطن الليبي بالسلب، وقذف بالطبقة الوسطى تحت خط الفقر، ودفع الفقراء لتسول الحسنات أمام المساجد وفي إشارات المرور، وعلى كل مطب (أسلوب جديد)، وصار تجار العملة في السوق السوداء يتحكمون في حاجة المواطن الليبي بالكامل، يرفعون السعر دون مراعاة للمواطن وحاجاته واﻷزمات الخانقة التي يعاني منها، ما يدفع للتساؤل: من أين يأتي التجار بعملتهم؟ سيناريو التسعينات من القرن الماضي إبان الحصار الاقتصادي يتكرر مجددَا، فهم يحصلون عليها من المصرف بسعر الصرف ثم يبيعونها للمواطن بأضعاف أضعاف سعرها، بينما اليوم لا حصار، بل شعب أضاع بلاده!

الغلاء طال كل شيئ من رغيف الخبز وحتى سلع الرفاهية، كل شئ ازداد ثمنه ما عدا قيمة الإنسان وحياته.

كابوس الهجرة الغير شرعية

كما أن حدود ليبيا التي بقيت دون رقيب ولا حسيب صارت منفذا للتهريب بجميع أنواعه، والسواحل الليبية هي المقصد المفضل للمهاجرين إلى أوروبا، ومؤخرًا صار المواطنون الليبيون يغامرون بحياتهم وسط هذه القوارب المتهالكة أملًا في حياة أفضل على الشاطئ اﻷخر من المتوسط! رغم حصيلة الموتى التي يلفظها البحر كل يوم.

قد لاحظت من متابعتي للأخبار أن ما يهم الغرب وأوروبا خاصة انتهاء أزمة الهجرة الغير شرعية، دون النظر للأزمة الليبية أو حاجة المواطن الليبي البسيط رجل الشارع!

 حياة المواطن الليبي اليوم

المواطن الليبي يترقب انقطاع الكهرباء، والازدحام في محطة الوقود، وحياته من طابور إلى طابور: من المخبز إلى المصرف، وحتى العزاء بالطابور!! لا مال ولا كهرباء ولا غذاء ولا رعاية صحية على الإطلاق، المستشفيات مغلقة والعيادات الخاصة ترفض استقبال الحالات المستعجلة، وقفل الطريق الساحلي يصعب وصول الحالات المستعجلة إلى تونس، المنفذ الوحيد الذي يمكن للمواطن الليبي زيارته دون تأشيرة، إن كان للمواطن جواز من اﻷساس!!

الخوف من الاشتباكات وقفل الطرق والحرب التي يمكن أن تندلع في أي لحظة لتتوقف كما بدأت دون إنذار!

لصالح من يحدث كل هذا ومن المستفيد؟

من المسؤول عن الحروب الطاحنة والشباب التي تفقد حياتها يوميًا بإسم ثورة كذا وثورة كذا وحرب كذا؟ جيل الشباب الذي سيبني اﻷوطان دفع حياته ليغتني الكهول والشيوخ ويملؤا حساباتهم المصرفية من أقوات وأرزاق الشعب الليبي.

الكثير من الليبيين مهجرون بالداخل والخارج بسبب الحروب والاشتباكات اللامنتمية بسبب ودون سبب، النعرات والثأر القبلي في ليبيا سبب في الكثير من المصائب قديمًا وحديثًا، بلغ عددهم 400 ألف بالداخل و مليونًا بالخارج حسب أخر الإحصاءات.

كما أن اﻷزمات القديمة قبل أحداث سنة 2011 لم تحل بعد كأزمة الإسكان مثلًا.

بينما تنبثق لجان لا نهائية عن اﻷجساد الهزيلة التي تحكم الليبيين وتمارس حوارًا لا جدوى منه بين عواصم العالم، تارة في برلين وتارة في الصخيرات وأخرى في تونس وجزء من لجنة في سلطنة عمان، ولا يصدر عن هذه الحوارات سوى بيانات يعرف الليبيون ما فيها سلفًا وقرارات لا تعدو كونها حبرًا على ورق ولا تغير من واقع الشعب البسيط شيئًا.
هل برأيك يريد هؤلاء أن تستقر ليبيا؟ وهل سيكون لهم أي فائدة من ذلك؟ هل يترك هؤلاء السفر في الدرجة اﻷولى وفنادق الخمس نجوم على حساب الشعب لكي يرتاح المواطن الليبي؟ الجواب واضح!

حل اﻷزمة الليبية

لا أدعي أنني أمتلك مفاتيح الحل، لكن هذه بعض الخطوات (المنطقية) التي يجب تطبيقها لحل اﻷزمة تدريجيًا، لأنه يجب أن ينسى المواطن الليبي فكرة السوبر مان ذي العصا السحرية الذي يلوح بعصاه فتختفي كل اﻷزمات كأن لم تكن.

  • إنهاء الانقسام بشكل فوري والاتفاق على جسد تشريعي وأخر تنفيذي دون أي تردد.
  • تفعيل الدستور الليبي والكف عن مهاترات “كتابة الدستور“، وفرض حالة الطوارئ والقوانين العرفية.
  • جمع السلاح بأي وسيلة كانت، حتى لو تم الاستعانة بقوة عربية أو إسلامية أو تابعة للاتحاد الإفريقي. والضرب بيد من حديد على الخارجين عن القانون.
  • المصالحة الوطنية الشاملة ورجوع المهجرين والنازحين فورًا وكف اﻷعمال الانتقامية تجاههم، وعمل ميثاق مصالحة وطني كالذي تم تنفيذه في جنوب أفريقيا.
  • فتح موانئ تصدير النفط فورًا.
  • فرض حزمة من الإجراءات التقشفية تشمل فرض ضرائب على سلع معينة وجباية مصاريف الكهرباء والمياه، وضرائب الشركات والموردين ليتعافى الاقتصاد الليبي ويكسب ثقة المستثمرين مجددًا.
  • رفع الدعم عن السلع التموينية واستبداله بدعم نقدي حسب الرقم الوطني ومكافحة التهريب بكل صوره، والرقابة الشديدة على اﻷسواق وحماية مصالح المستهلك.

في الختام

ليبيا دولة غنية جدًا بالموارد الطبيعية والسياحية والإرث التاريخي والحضاري، ولها موقع إستراتيجي ممتاز يكفل لأبنائها (والمقيمين ودول الجوار حتى) حياة هانئة رغيدة، شريطة الاتفاق ونبذ الهوى والتوجهات والالتفاف حول مصلحة الوطن الواحد.

إما هذا أو أن تضيع ليبيا كما ضاعت كردستان والعراق وجنوب السودان والصومال، والحبل على الجرار، ليبيا تتجه نحو الهاوية بسرعة متزايدة، وكل يوم يصعب حل المشكلة أكثر.

إما أن نتحد ونعيش مع بعض كالإخوة، أو نغرق مع بعض كالحمقى.

« Older posts Newer posts »