Category: صفحات من الذاكرة (Page 9 of 10)

مدرسة القيادة – الجزء الرابع

هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!

في الجزء الثالث توقفت عندما ناداني العقيد الضخم ليقول لي كلمة على إنفراد. وما قاله لي صدمني بشدة! نتابع معًا الحوار الغريب وبقية مجريات الإمتحان..

لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك والثالث من هنا كذلك والجزء الرابع هنا أيضَا وللجزء الخامس اضغط هنا.

 الحوار الغريب

 قال لي: “علاش قلت على البنت أبلة؟” فرددت عليه بتلقائية: “هذه كلمة معناها اﻷخت الكبيرة المحترمة”.

فهز رأسه نافيًا وانحنى عليّ بطوله الفارع وقال هامسًا: “راه مولانا الملك المعظم زمان لما كان يبي يوبخ الخادم متعه يقوله يا أبله. معاش تقول هكي هذم ما يحترموش في النساوين راهم. خش لإمتحانك!”.
بالنسبة لي كانت صدمة سماع جملة “مولانا الملك المعظم” أكبر من أي شيء سمعته في ذلك اليوم، ولم أعرف حتى كيف أستجيب! قد يكون يستدرجني في الكلام ليوقع بي أو قد يكون مجنونًا. ولم أكن أرغب في معرفة الجواب الحقيقي لمعرفتي أن ذكر الملك – رحمه الله – يكفي لإلقاء الشخص في سجن مظلم لا تدخله الشمس بحجة الإمبريالية والرجعية والملكية المتعفنة وإلى ما ذلك!

شعار المملكة الليبية

امتحان الإشارات

لم يكن امتحان الإشارات صعبًا هذه المرة، وتعمدت استعراض معلوماتي ليظهر علي الفهم أمام الممتحن ويدعني لسبيلي، وهذا تمامًا ما حصل. وسلكت طريقي نحو الطريق الواقع بين مستشفى طرابلس الطبي و محلات بيع الأكفان – وياله من مكان بهيج لإجراء الاختبار!-

ورقة الإشارات

حوارات ما قبل الامتحان

أثناء الانتظار الطويل وقفت مع عدد من زملائي وشرحت لهم مجريات الاختبار، واستمعت لاعتراضاتهم على العملية الصعبة للامتحان خاصة أنه من المعروف أنك تستطيع “شراء” رخصة قيادة بمبلغ لا يتجاوز 150 دينار ليبي.

قال أحدهم وهو يلوح بيديه بعصبية

-“تي معقولا يا راجل؟ هالوجيج هذا كله تي نمشي نطلعها ب 150 جني ونريح راصي ويجيبوهالي للحوش!!”.
فرد عليه اﻷخر بهدوء وهو يشير بيده طالبًا الانتباه: 

–“أسمع أني نقولك، خوي يخدم في المرور أهما الرخص مش نازلات في المنظومة راهم، وكان يوقفك مرور ويدوروها في المنظومة مش حيلقاها ودور من يحزك بعتالي”.

الفيرنا العتيدة التي تحملت الكثير من الهموم معي

الرشوة ورشاوى من نوع أخر

كنت أعلم يقينًا أنه من الممكن شراء رخصة قيادة برشوة أحد الضباط، وأنه يمكن التملص من مخالفة مرورية برشوة رجل المرور بكرت رصيد أو مبلغ مالي وأن البعض يحتفظ ببعض المال في السيارة لضابط المرور. ولأنني مدرك لحرمة الرشوة قررت السير في الشوط مهما كانت صعوبته. ولم يقاطع هذه الأفكار إلا صوت امرأة تتحدث بصوت عال و رائحة عطر نسائي شديد القوة تفوح من ورائي:

 –”بالله عليكم وخييني، من خاشله الامتحان من قبل؟ نبي نعرف ساعدوني!”

التفت للخلف وشاهدت زملائي يتحلقون حول امرأة بدينة ترتدي ثوبًا ضيقًا بانبهار وكل منهم يدلي بدلوه في موضوع الامتحان -المعلومات التي أخذوها عني!-، أما أنا فقد أشحت بظهري عنها ولم أكن مهتمًا حقيقة بما يدور بينهم، وقد لفت انتباهي سهولة تحولهم عني إلى تلك السيدة، وفي الحقيقة فإن الحديث كان يخفف من حدة توتري قليلًا، وهكذا وجدت نفسي وحيدًا مع هواجسي!

ساعة الحسم!

جاءت لجنة الامتحان بعد برهة – ولم تكن نفس اللجنة من الأسبوع الماضي لحسن حظي– وكان يتبعهم الشاب صاحب الواسطة، وكأنه يؤكد شكوكنا السابقة فقد حرص أن يقف بعيدًا عنّا حيث يمكن للجنة تمييزه بسهولة من الرعاع الذين لا واسطة لهم!

ولأن الممتحن “جنتلمان” حقيقي فقد قرر أن السيدات أولا ويجب أن يتممن امتحانهن مبكرًا بحجة أننا رجال ويمكننا الانتظار لفترة أطول.

 والحقيقة أن امتحاناتهم سرت بسلاسة غير طبيعية ولم تفشل أي واحدة منهن في الاختبار ولم تدقق اللجنة في التفاصيل المهمة مثل وضع الحزام وإشارة التوجيه -الفليتشة- والنظر في المرآة قبل الانطلاق -وهو ما لاحظناه بسهولة شديدة.

شوكولاتة أم بسكويت؟ أم أنها رشوة؟

شوكولاتة وطاجين حوت!!

 أما السيدة المتبرجة فقد حرصت على النجاح بإهداء عضو اللجنة قطعة من الشوكولاتة وضعتها له على لوحة “فودرة” السيارة قبل أن تصعد لأداء الإمتحان. وهنا أطلق أحد الشباب -الذي ينطبق عليه وصف أجسام البغال وأحلام العصافير- صفارة عالية وقال ضاحكًا: “منحصلوش شكلاطة!!“. ثم سارع للاختباء ورائي وكأن جسدي النحيل سيخفيه من نظرات الممتحن النارية! -كأن فيلًا اختبأ وراء نملة معتقدًا أن أحدًا لن يراه!-.

خلي نيتك صافية مرات تبيه يقري أختها 🙂

 

وبعد أن عادت السيارة لموضع الامتحان خطت له رقم هاتفها  في قطعة من الورق في عجالة وأعطتها له قبل أن تنطلق مغادرة فرحة بنجاحها!

المجزرة!!

وبعد أن امتحن الأخ الموصى عليه ونجح بعد السيدات مباشرة، بدأت المجزرة في ذلك اليوم! فقد فشل كل الشباب الذين دخلوا الامتحان بما فيهم أنا، وكانت حجته لرسوبي أنني قدت السيارة ببطء شديد وأنه لو كنت أقود سيارة إسعاف ومعي حالة مستعجلة لماتت الحالة قبل الوصول للمستشفى! مخالفًا رأي العقيد الذي جلس خلفه الذي قال له: “يا فلان حرام عليك، الولد يعرف يسوق مشيه” لكنه أصر على أن أرسب وأعطاني الفيلاروزا وهو يقول: “كانك تسوق مليح زي ما يقول المرة الجاية تنجح”.

مالذي يتحدث عنه بحق الله! لست هنا لأقود سيارات الإسعاف!

عدت لمدرسة القيادة وأنا مكفهر الوجه بائس لأنني فعلت كل شيء بطريقة صحيحة ولم يكن ذلك كافيًا للنجاح، وسمعتهم يتحدثون عن اللجنة وأن الكثير من اللغط شاب عملها. وطمأنني المدرب بلهجته القاسية: “المرة الجاية إن شاء الله خير”..

ماذا فعل الآخرون بعد الإمتحان

أحد الزملاء لم يأخذ الأمر بروح رياضية، فبعد فشله ونزوله من السيارة قذف السيارة بالحجارة وسب لجنة الامتحانات سبابًا غليظًا فاحشًا قبل أن يركض لبيته!!  (علمت بهذا لاحقًا).

أما الشاب الضخم خفيف العقل فقد قال أنه عندما جاء دوره عرض الممتحن عليه قطعة الشوكولاتة قائلًا: “أهي الشكلاطة خليتها على خاطرك، وبعد الامتحان بنرفعك للحفرة نشريلك طاجين حوت” (الحفرة مطعم سمك شهير بوجباته الشهية والغالية التي يتناولها الناس للاحتفال)، ورسب في الامتحان بجدارة!! – وعلى كل هو من أخبرني بقصته وقصة الشاب اﻷخر-.

طاجين سمك معتبر! هل يمكن أن نقول أن الممتحن دفله طاجين؟

 سبونج بوب يحييكم

وصلت للخارج وكان الضيق باديًا علي، فاستوقفني أحد المارة وسألني ما الخطب؟ فأجبته أنني فشلت للمرة الثالثة في امتحان القيادة. فقال لي ضاحكًا أنه نجح بعد المرة التاسعة وأن الأمر لا يدعو للخجل أو القلق وأن لدي فرصتين قبل أن تنتهي صلاحية الفيلاروزا وأضطر لاستخراج واحدة جديدة (بها خمس محاولات للامتحان) كما فعل هو!!

سبونج بوب وهو يفشل في إمتحان قيادة أخر!

مالذي حدث بعد ذلك؟ هل سمحت لليأس بالسيطرة عليّ؟ هل أتحول إلى سبونج بوب الذي يخوض امتحانات القيادة مرة بعد مرة دون أن ينجح في أي منها؟ ستعرفون جواب ذلك في الحلقة القادمة من مسلسل مدرسة القيادة.

شاركوا هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

مدرسة القيادة – الجزء الثالث

هذه سلسلة تدوينات بمناسبة أسبوع المرور العربي وفيها أحكي كيف تعلمت القيادة في ليبيا. توقفت عند شهر رمضان المبارك وكيف أنني إنقطعت عن التدريب خلال هذا الشهر.
هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!
لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك.

العودة للتدريب

بعد رمضان بدأت الدراسة وكنت قد نسيت القيادة تمامًا وحاولت التركيز على دراسة مادة واحدة فقط – لظروف شاذة كنت أمر بها فرضت عليّ دراسة مادة واحدة في ذلك الفصل – لتصدمني وفاة صديقي حمزة وما أعقبه ذلك من تأثير عميق على نفسيتي. وبالقرب من نهاية الفصل الدراسي عدت للتدريب على القيادة دون أن أنجو من التوبيخ.

قال لي المدرب بغضب: “بتولي جديات ولا؟ مش تتدرب وتسيب وتتدرب وتسيب حتى اللي تعلمته تنساه راك. أسمع راهي أخر مرة، بعدها والله ما عاد نعرفك، فاهم ولا؟”.

لم تفلح أعذاري معه باستثناء ألم كاحلي حيث قال لي بعصبية وإستنكار: “وكان قلتلي رجلك توجع فيك راه مش هكي الكلام!”.

عدنا للتدريب وأخذ الأستاذ يدربني على سيناريو الامتحان الذي هو عبارة عن جولة بالسيارة حول منطقة محددة يتوجه المتدرب فيها يمينًا ويسارًا حسب توجيهات الممتحن الذي يحاول إرباكه وإفشاله، بالحديث تارة وبالإٍسئلة العشوائية تارة أخرى. وليس من الضروري أن أؤكد أن لبس حزام القيادة وإستخدام أضواء التوجيه (الفليتشات) والنظر في المرآة من ضروريات النجاح.

الهونداي فيرنا التي تعلمت فيها القيادة شبيهة بهذه

والحقيقة أنه زرع في نفسي الرهبة من امتحان القيادة.  معززًا الشائعات التي كنت أسمعها عن صعوبة الاختبار وأنه لا ينجح أحد في اجتيازه من المرة الأولى.

بعد عدد لا بأس به من الحصص، قرر المدرب أن الموعد قد حل لكي أجرب حظي في دخول الامتحان، وفعلا قام بإحالة أوراقي للمفت.. الممتحن وطلب مني الحضور للمدرسة قبل الامتحان بقليل.

مميزات مدرسة القيادة

ما لم أكن أعلمه أن المتقدم للامتحان يأخذ أوراقه بنفسه، يبدو أن هذه من مزايا مدرسة القيادة!
وبعد حصة مراجعة في المدرسة للقوانين اصطففنا لدخول الامتحان، القسم الأول كان حول الإشارات والقسم الثاني كان جولة بالسيارة. هذا بالنسبة لرخصة الدرجة الأولى.
أما رخصة الدرجة الثانية فلديهم جزء ميكانيكي من الاختبار يضاف للجزئين السابقين.

ورقة إشارات المرور العتيدة!

يوم الامتحان

دخلت القاعة لأجيب على أسئلة الإشارات وأنا أشعر بالرهبة، زاد هذه الرهبة العقيد الذي كان يسأل الممتحنين عن الإشارات بملامحه القاسية وقامته الهائلة والرتبة التي تصطف على كتفيه صارخة بالنفوذ. وبالطبع فقد فشلت في الإجابة وعدت أجر أذيال الخيبة.

كلاكيت ثاني مرة!

في المرة الثانية وصلت بالفعل للجولة! صعدت المركبة مع ثلاثة متقدمين للامتحان وعقيد بالمرور يجلس بالخلف، وممتحن يجلس في الأمام يوجه المتقدم ويربكه بالأسئلة أثناء القيادة.

جلس أحد الشباب قبلي -حيث كان ترتيبي اﻷخير- وبادره الممتحن بالسؤال: “بوك فلان؟” وهذا السؤال دلالة على أنه يعرف والده من مكان ما، وبالفعل كان من معارف والده وطلب منه أن يسلم عليه. وارتكب هذا الشاب خطئًا فادحًا وهو يقود حيث كان ينوي الانعطاف إلى اليسار فقاد بسرعة ودون أن يتوقف إلى الجانب الأيسر – بدل أن يتوقف في الوسط كما هو المفروض وينظر إلى اليمين واليسار (فيما يعرف بإعطاء الأسبقية في الاتجاه الواحد المتبادل) -. وتغاضى الممتحن عن ذلك الخطأ برشاقة ونجح الشاب في الامتحان!!

من المفترض أن تتوقف عند تغيير الإتجاه، أليس كذلك؟

دوري في القيادة!

وصل دوري فجلست وحاولت تشغيل المحرك كما هي العادة، ففاجئني صوته النشاز مدويًا: “السيارة والعة يا شاب، هذي أول غلطة و مازالت غلطة“. وأثناء الجولة انطفأ المحرك مني دون قصد في أحد المرتفعات فقال لي أنني رسبت وطلب مني أن أقود لمكان البداية. فذكرته بخطأ إبن “صديقه” الفادح فقال لي بعصبية: “أنا متع واسطات كان عاجبك، وبرا اشكي فيا” وهو يقود بطريقة جنونية حتى وصلنا إلى مكان البداية ثم صرخ في أن أنزل ورمى إلي بالفيلاروزا – وهي علامة على أنني فشلت في الاختبار – .

لم يوبخني مدربي حتى ..

الثالثة .. أبلة؟

في المرة الثالثة التي كانت بعد أسبوع كذلك – وذكرني مدربي بفضل المدرسة علينا وكيف أننا نمتحن كل أسبوع بينما الآخرون يمتحنون مرة كل شهر-.
جلست في قاعة الانتظار مع زملائي منتظرين موعد الاختبار، وقد لفت انتباههم درايتي الواسعة بمجريات الامتحان وفحواه فوجدت نفسي واقفًا على السبورة أشرح لهم الإشارات كما كان يفعل النقيب في الحصص النظرية.

دخل أحد أعضاء اللجنة مسرعًا وقاطع شرحي وطلب أن يأتي أحد الشباب معه. وتهامس الجميع أنه “عنده واسطة قوية وواصل في الدولة” وأنه الآن يتناول الفطور مع أعضاء اللجنة (حيث أن الامتحان لن يبدأ حتى يتناولوا فطورهم!).

أكل البريوش للفطور عادة من عادات أهل طرابلس

سريعًا جاء وقت امتحان الإشارات، ووقفت في الطابور أنتظر دوري وقد زالت عني رهبتي القديمة – بحكم الخبرة – وعندما هممت بالدخول استوقفني العقيد الذي امتحنني أول مرة قائلا: “راجي“.
فقلت له بتلقائية: “أه تبي الأبلة تخش قبلي؟” فقال لي: “تعال نبيك في كلمة”.

ماهو الشيء الذي قاله لي العقيد ذو القامة الهائلة والذي تركني منعقد اللسان؟! وهل تكون هذه المرة في الامتحان أحسن من سابقاتها؟

الحلقة القادمة تعد بالكثير من المفاجآت!!

شاركو هذه التدوينة على مواقع التواصل الإجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

مدرسة القيادة – الجزء الثاني

هذه سلسلة تدوينات بمناسبة أسبوع المرور العربي وفيها أحكي كيف تعلمت القيادة في ليبيا. في الجزء اﻷول توقفت عند أول حصة تدريب عملي وكيف أن المدرب يناقض كل التعليمات التي تلقيناها في حصة التدريب النظري بأسلوبه السوقي..
هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!

لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك والثالث من هنا كذلك والجزء الرابع هنا أيضَا وللجزء الخامس اضغط هنا.

التجربة اﻷولى ليست كما توقعت

سريعًا أتى دوري، وبعد أن حصل مني أجرة القيادة (عشرة دينار على الساعة الواحدة) طلب مني الانطلاق في طريق مفتوح تنطلق فيه السيارات بسرعة كبيرة (طريق قاعدة معيتيقة تحديدًا)، وهنا قلت له أنه لم يسبق لي قيادة سيارة من قبل. ليفغر فمه فيّ وهو يصيح بلهجته السوقية:

 “تي معقولة يا راجل؟ ولا مرة سايق سيارة؟ تي قداش عمرك؟ شي شي؟”

وعندما تأكد من جهلي التام بقيادة السيارات بدأت قريحته الشعرية بالظهور، وبدأ في الزفير والشخير وظهرت أمارات الضيق جلية على وجهه البدين. فأجبته بسؤال: “مش هذه مدرسة قيادة يا أستاذ؟” فقال بنفاذ صبر:

“إي إي مدرسة عارفينها، هاك تشبح في الجماعة كلها تسوق ولا يا ولاد؟ – طالبًا التعاطف من زملائي – هي توا نعلمك وحدة وحدة هي”.

 

 وبدأ يشير لأجزاء السيارة باللهجة الليبية بالطبع:

“هذا اللي عاليمين فرسيوني، واللي من غادي شراطوري، رص عليه رص هذا اللي فيه البنزينة، واللي في النص فرينو يشد السيارة تعرفه ولا؟”. – يقصد دواس البنزين والفرامل ومغير السرعات.

تحركت السيارة بعد جهد جهيد وعدة محاولات فاشلة، وكنت أشعر بالحيرة الشديدة والسيارة تتحرك لكثرة اﻷشياء التي يجب أن أراقبها وهذا البدين يصرخ في أذنيّ:

 “تي هيا ياراجل، معقولا؟ حتى البناويت يسوقو خير منك شن صارلك، شن تبي نرفعك للجولة غادي قدام المدرسة في القايلة والشمس على راسك؟ نهارك الأحرف كان تطيح الطربوش هكي خيرلك راه”.

 

هذا هو الطربوش الذي يقصده

 وسط ضحكات جذلة من رفاق الدرب، الذين سرهم أن يروا زميلهم المتفوق في الدراسات النظرية يعاني في التعليم العملي.
وهنا أوقف السيارة وطلب مني النزول غير أبه باعتراضي أن الساعة لم تنقضي بعد وأنه لا يزال لدي وقت متسع من الوقت للتعلم. فصفقت باب السيارة في وجهه وعدت أدراجي وأنا لا أرى أمامي من الغيظ..

التغيير

عدت مغضبًا لوالدي وحكيت له ما جرى بدون ترك أي تفصيل صغير، فلم يبدو عليه اهتمام بالمسألة. وفي اليوم التالي ذهب معي لإدارة المدرسة وتغير موقفه بنسبة 180 درجة. وطالب بغضب شديد باعتذار لي من “المدرب” وأن يتم تغييره فورًا، وأن يضمنوا لي ألا يلاحقني أو يسبب في عرقلة مسيرتي، ولدهشتي فقد تم تنفيذ مطالب والدي بالكامل ودون تأخير!! وكانت حجة المدرب أنني صفقت باب السيارة في وجهه ولم يذكر أنه أوقف السيارة في الطريق السريع وأنزلني من جهة السائق على الطريق!

المدرب الجديد

التقيت بالمدرب الجديد، والذي بدت الصرامة والصلابة بادية عليه. وشرحت له القصة باختصار فقال أنه مستعد للمساعدة. وفي الحقيقة فإنني أدين له بالفضل في تعليمي القيادة على أصولها. حيث أنه استطاع تطبيق القانون المروري على الطريق بشكل عملي، وليس بوضع “الخنفورة” كما تفضل مدربي السابق!

وأحمد له في هذا الموضع صبره على أخطائي العديدة وأخذ عملية التعلم من الصفر، وكذلك أحد المواقف التي لن أنساها ما حييت.

سيارة هوندا سيفيك حمراء شبابية وذات سمعة سيئة!

أثناء حصة تدريبية روتينية كنت أقود فيها السيارة أتت سيارة شبابية (هوندا سيفيك حمراء تحديدًا) بمحاذاتنا وفتح السائق النافذة وقال ضاحكًا بجذل: “بالله يا أستاذ درس عاليمين نبي نتعلم السواقة من جديد“، ففتح المدرب نافذته وصرخ فيه وأجبره على الابتعاد. وعندما لمح الضيق مرسومًا على وجهي لكز كتفي وقال لي:

 “هيه! ما تزعلش روحك على شوية مصيع ميستاهلوش. أنت تدير في الصح مش زيه تلقاه خانب سيارة أمه وطالع يسوق!!”.

وكانت تلك المرة الوحيدة التي لمحت فيها منه بعض التعاطف!!

انقطعت عن التدريب لحلول شهر رمضان المبارك، حيث أن الصوم و تعلم القيادة لم يبدوا كمزيج ملائم في شهر أغسطس الحار. الأمر الذي أغضب مدربي للغاية! كما أن دواس السيارة الصلب سبب لي آلمًا شديدَا في كاحلي وصعوبة في المشي!

مالذي حدث بعد ذلك؟ وهل انتظمت في تعلم القيادة بعد مضي شهر رمضان المبارك وشفاء كاحلي؟ هذا ما ستعرفونه في الحلقة القادمة بعون الله.

شاركو هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

مدرسة القيادة – الجزء اﻷول

هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!

سلسلة التدوينات هذه بمناسبة أسبوع المرور العربي. وفيها أتحدث عن تجربتي في تعلم قيادة السيارات.

هذه التجربة امتدت على مدار سنة كاملة -من مارس 2009 وحتى مارس 2010-  ولذلك قررت تقسيمها لخمس تدوينات..
متابعة طيبة 🙂

لقراءة الجزء اﻷول اضغط هنا. وللجزء الثاني اضغط هنا من فضلك والثالث من هنا كذلك والجزء الرابع هنا أيضَا وللجزء الخامس اضغط هنا.

سيارة تعليم قيادة تشبه التي تعلمت فيها

البداية

ألحت والدتي  على والدي – حفظهما الله – بأن يلحقني بمدرسة لتعليم قيادة السيارات. الأمر الذي يعد عارًا وشتيمة في مجتمعنا بالنسبة للرجل، فالرجل – يولع طول ويطلع- ومدرسة القيادة للبنات فقط. ووالدي ليس صبورًا بما يكفي لتعليمي قيادة السيارة بنفسه.
ولأنني لم أغامر كزملائي المراهقين الذين كانوا يسرقون سيارات أباءهم في الظهيرة وهم نيام ويتجولون بها خلسة مسببين كوارث صغيرة!  فقد أخذني في صبيحة يوم غائم لاستخراج الأوراق المطلوبة لإصدار رخصة قيادة مؤقتة (فيلاروزا)، وبعد ملء النماذج الروتينية دخلت لفحص نظري -وعلمت لأول مرة أنني أعاني من ضعف في النظر-. ثم من هناك توجهنا لمدرسة القيادة ودون أي تأخير!!

لم أكن أصدق أنني أحتاج لنظارات نظر!

مدرسة الأمانة

مدرسة الأمانة تقع بمنطقة الفرناج بالعاصمة طرابلس ملاصقة لمركز شرطة عين زارة وتتبع لإدارة المرور طرابلس -أي أنها مدرسة حكومية-. ليست مرئية من الطريق الرئيسي وتحتاج لنزول بضعة عشر درجة لتصل إليها.
وهي مبنى غير لافت للنظر أمامه ساحة كبيرة للتدريب – وموقف سيارات لمعسكر التدريب-
وعلى الفور دفع والدي قيمة الاشتراك (عشرين دينارًا) وقيل لي أن أتي يوم اﻷحد الساعة الثامنة والنصف صباحًا.

مدرسة اﻷمانة بمنطقة الفرناج – طرابلس

أسبوع الإشارات

بدأت التدريب في يوم الأحد وكنت متوترًا ومتحمسًا لركوب السيارة كسائق لأول مرة. لكن خاب أملي عندما علمت أن أمامنا أسبوعًا من التعليم النظري على إشارات المرور والقوانين المرورية.

كان الأستاذ ضابطًا سابقًا في المرور، صارمًا وقليل الكلام، ويشرح القانون بعصبية! وكرر على مسامعنا أكثر من مرة هذه الجملة:

“لما تركب في سيارتك وتخش الطريق، دير روحك إنت بروحك اللي عاقل، وكل السواقين التانيين مهبلة!”.

لما أدرت عيني داخل الصف اكتشفت أن الطلاب شريحة متنوعة من الناس وليست مثل الفصول الدراسية التي اعتدت عليها – أناس من مراحل عمرية متقاربة -. ففي الأمام جلس كهل بلباسه التقليدي (الجرد والمعرقة) وهو ينصت مصغيًا – أو نائمًا-، وسيدة سمراء كثيرة الكلام يتضح لاحقًا أنها جندية في فيلق الحرس الخاص ولديها “توكة” يومًا بعد يوم.

وعدد من الرجال والنساء من أعمار مختلفة جلسوا على المقاعد الخشبية ينصتون لشرح النقيب. وأيضا شباب جامعيون من عمري تقريبًا جلست جوارهم.

صورة لإشارات المرور التي درسناها بالمدرسة

كما تخلل الشرح زيارات من عقداء وألوية بالمرور يشرحون بعض المسائل المعقدة والجنايات والجنح وغير ذلك من المسائل القانونية والجزائية! الأمر الذي تعدى ورقة الإشارات المتعارف عليها! وبالطبع زاد من رهبتي وخوفي من قيادة السيارات.
كنت أدون شرح الأستاذ بنشاط الأمر الذي لفت انتباهه وطلب من الكل جلب كراريس وأقلام في اليوم التالي، ولم يستجب أحد لتعليماته وبدا كأنه نسي الأمر كليًا في اليوم التالي!

ككل الأوقات الجميلة انقضى أسبوع التدريب النظري سريعًا، وجاء يوم الأحد الذي سنركب فيه سيارة المدرسة للمرة الأولى..

وضع الخنفورة!!

تم إلحاقي بمدرب لا أذكر اسمه -ولا أهتم لذلك كثيرًا بصراحة- ولكن ملامحه لا تزال واضحة في ذهني رغم مرور عدة سنوات. كان قصير القامة بدينًا وأصلع، ويبدو من فمه المتهدل أنه إما كثير الكلام أو شديد النهم. وبعد أن دخلنا سيارته إلتفت إلينا بنظرة متعالية بعد أن جلس على كرسي الراكب وقال:

“أسمع جاي إنت وياه، عرفت الكلام هذاكا الهلبا اللي قالهولكم فلان – يعني دروس النقيب حول القوانين المرورية – أنسوه ولوحوه ورا ضهوركم ايواه! هني الأسبقية بوضع الخنفورة وجهدك وشن يجيب”.. 

ومط شفتيه وأصدر صوتًا نشازًا بفمه كأنه تناول كوبًا من الشاي الشديد المرارة!

بعد هذه المقدمة المشجعة تناوب زملائي على القيادة وفاجئني أن معظمهم يستطيع تحريك السيارة والانطلاق بها بدون صعوبات تذكر، فأول سؤال خطر لي هو: مالذي تفعلونه في المدرسة بالتحديد؟!

مالذي حدث بعد ذلك؟ وكيف كانت تجربتي اﻷولى في قيادة السيارة؟ هذا ما ستعرفونه في الحلقة القادمة بعون الله.

شاركوا هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

« Older posts Newer posts »