Category: ليبيا (Page 35 of 40)

مدرسة القيادة – الجزء الرابع

هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!

في الجزء الثالث توقفت عندما ناداني العقيد الضخم ليقول لي كلمة على إنفراد. وما قاله لي صدمني بشدة! نتابع معًا الحوار الغريب وبقية مجريات الإمتحان..

لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك والثالث من هنا كذلك والجزء الرابع هنا أيضَا وللجزء الخامس اضغط هنا.

 الحوار الغريب

 قال لي: “علاش قلت على البنت أبلة؟” فرددت عليه بتلقائية: “هذه كلمة معناها اﻷخت الكبيرة المحترمة”.

فهز رأسه نافيًا وانحنى عليّ بطوله الفارع وقال هامسًا: “راه مولانا الملك المعظم زمان لما كان يبي يوبخ الخادم متعه يقوله يا أبله. معاش تقول هكي هذم ما يحترموش في النساوين راهم. خش لإمتحانك!”.
بالنسبة لي كانت صدمة سماع جملة “مولانا الملك المعظم” أكبر من أي شيء سمعته في ذلك اليوم، ولم أعرف حتى كيف أستجيب! قد يكون يستدرجني في الكلام ليوقع بي أو قد يكون مجنونًا. ولم أكن أرغب في معرفة الجواب الحقيقي لمعرفتي أن ذكر الملك – رحمه الله – يكفي لإلقاء الشخص في سجن مظلم لا تدخله الشمس بحجة الإمبريالية والرجعية والملكية المتعفنة وإلى ما ذلك!

شعار المملكة الليبية

امتحان الإشارات

لم يكن امتحان الإشارات صعبًا هذه المرة، وتعمدت استعراض معلوماتي ليظهر علي الفهم أمام الممتحن ويدعني لسبيلي، وهذا تمامًا ما حصل. وسلكت طريقي نحو الطريق الواقع بين مستشفى طرابلس الطبي و محلات بيع الأكفان – وياله من مكان بهيج لإجراء الاختبار!-

ورقة الإشارات

حوارات ما قبل الامتحان

أثناء الانتظار الطويل وقفت مع عدد من زملائي وشرحت لهم مجريات الاختبار، واستمعت لاعتراضاتهم على العملية الصعبة للامتحان خاصة أنه من المعروف أنك تستطيع “شراء” رخصة قيادة بمبلغ لا يتجاوز 150 دينار ليبي.

قال أحدهم وهو يلوح بيديه بعصبية

-“تي معقولا يا راجل؟ هالوجيج هذا كله تي نمشي نطلعها ب 150 جني ونريح راصي ويجيبوهالي للحوش!!”.
فرد عليه اﻷخر بهدوء وهو يشير بيده طالبًا الانتباه: 

–“أسمع أني نقولك، خوي يخدم في المرور أهما الرخص مش نازلات في المنظومة راهم، وكان يوقفك مرور ويدوروها في المنظومة مش حيلقاها ودور من يحزك بعتالي”.

الفيرنا العتيدة التي تحملت الكثير من الهموم معي

الرشوة ورشاوى من نوع أخر

كنت أعلم يقينًا أنه من الممكن شراء رخصة قيادة برشوة أحد الضباط، وأنه يمكن التملص من مخالفة مرورية برشوة رجل المرور بكرت رصيد أو مبلغ مالي وأن البعض يحتفظ ببعض المال في السيارة لضابط المرور. ولأنني مدرك لحرمة الرشوة قررت السير في الشوط مهما كانت صعوبته. ولم يقاطع هذه الأفكار إلا صوت امرأة تتحدث بصوت عال و رائحة عطر نسائي شديد القوة تفوح من ورائي:

 –”بالله عليكم وخييني، من خاشله الامتحان من قبل؟ نبي نعرف ساعدوني!”

التفت للخلف وشاهدت زملائي يتحلقون حول امرأة بدينة ترتدي ثوبًا ضيقًا بانبهار وكل منهم يدلي بدلوه في موضوع الامتحان -المعلومات التي أخذوها عني!-، أما أنا فقد أشحت بظهري عنها ولم أكن مهتمًا حقيقة بما يدور بينهم، وقد لفت انتباهي سهولة تحولهم عني إلى تلك السيدة، وفي الحقيقة فإن الحديث كان يخفف من حدة توتري قليلًا، وهكذا وجدت نفسي وحيدًا مع هواجسي!

ساعة الحسم!

جاءت لجنة الامتحان بعد برهة – ولم تكن نفس اللجنة من الأسبوع الماضي لحسن حظي– وكان يتبعهم الشاب صاحب الواسطة، وكأنه يؤكد شكوكنا السابقة فقد حرص أن يقف بعيدًا عنّا حيث يمكن للجنة تمييزه بسهولة من الرعاع الذين لا واسطة لهم!

ولأن الممتحن “جنتلمان” حقيقي فقد قرر أن السيدات أولا ويجب أن يتممن امتحانهن مبكرًا بحجة أننا رجال ويمكننا الانتظار لفترة أطول.

 والحقيقة أن امتحاناتهم سرت بسلاسة غير طبيعية ولم تفشل أي واحدة منهن في الاختبار ولم تدقق اللجنة في التفاصيل المهمة مثل وضع الحزام وإشارة التوجيه -الفليتشة- والنظر في المرآة قبل الانطلاق -وهو ما لاحظناه بسهولة شديدة.

شوكولاتة أم بسكويت؟ أم أنها رشوة؟

شوكولاتة وطاجين حوت!!

 أما السيدة المتبرجة فقد حرصت على النجاح بإهداء عضو اللجنة قطعة من الشوكولاتة وضعتها له على لوحة “فودرة” السيارة قبل أن تصعد لأداء الإمتحان. وهنا أطلق أحد الشباب -الذي ينطبق عليه وصف أجسام البغال وأحلام العصافير- صفارة عالية وقال ضاحكًا: “منحصلوش شكلاطة!!“. ثم سارع للاختباء ورائي وكأن جسدي النحيل سيخفيه من نظرات الممتحن النارية! -كأن فيلًا اختبأ وراء نملة معتقدًا أن أحدًا لن يراه!-.

خلي نيتك صافية مرات تبيه يقري أختها 🙂

 

وبعد أن عادت السيارة لموضع الامتحان خطت له رقم هاتفها  في قطعة من الورق في عجالة وأعطتها له قبل أن تنطلق مغادرة فرحة بنجاحها!

المجزرة!!

وبعد أن امتحن الأخ الموصى عليه ونجح بعد السيدات مباشرة، بدأت المجزرة في ذلك اليوم! فقد فشل كل الشباب الذين دخلوا الامتحان بما فيهم أنا، وكانت حجته لرسوبي أنني قدت السيارة ببطء شديد وأنه لو كنت أقود سيارة إسعاف ومعي حالة مستعجلة لماتت الحالة قبل الوصول للمستشفى! مخالفًا رأي العقيد الذي جلس خلفه الذي قال له: “يا فلان حرام عليك، الولد يعرف يسوق مشيه” لكنه أصر على أن أرسب وأعطاني الفيلاروزا وهو يقول: “كانك تسوق مليح زي ما يقول المرة الجاية تنجح”.

مالذي يتحدث عنه بحق الله! لست هنا لأقود سيارات الإسعاف!

عدت لمدرسة القيادة وأنا مكفهر الوجه بائس لأنني فعلت كل شيء بطريقة صحيحة ولم يكن ذلك كافيًا للنجاح، وسمعتهم يتحدثون عن اللجنة وأن الكثير من اللغط شاب عملها. وطمأنني المدرب بلهجته القاسية: “المرة الجاية إن شاء الله خير”..

ماذا فعل الآخرون بعد الإمتحان

أحد الزملاء لم يأخذ الأمر بروح رياضية، فبعد فشله ونزوله من السيارة قذف السيارة بالحجارة وسب لجنة الامتحانات سبابًا غليظًا فاحشًا قبل أن يركض لبيته!!  (علمت بهذا لاحقًا).

أما الشاب الضخم خفيف العقل فقد قال أنه عندما جاء دوره عرض الممتحن عليه قطعة الشوكولاتة قائلًا: “أهي الشكلاطة خليتها على خاطرك، وبعد الامتحان بنرفعك للحفرة نشريلك طاجين حوت” (الحفرة مطعم سمك شهير بوجباته الشهية والغالية التي يتناولها الناس للاحتفال)، ورسب في الامتحان بجدارة!! – وعلى كل هو من أخبرني بقصته وقصة الشاب اﻷخر-.

طاجين سمك معتبر! هل يمكن أن نقول أن الممتحن دفله طاجين؟

 سبونج بوب يحييكم

وصلت للخارج وكان الضيق باديًا علي، فاستوقفني أحد المارة وسألني ما الخطب؟ فأجبته أنني فشلت للمرة الثالثة في امتحان القيادة. فقال لي ضاحكًا أنه نجح بعد المرة التاسعة وأن الأمر لا يدعو للخجل أو القلق وأن لدي فرصتين قبل أن تنتهي صلاحية الفيلاروزا وأضطر لاستخراج واحدة جديدة (بها خمس محاولات للامتحان) كما فعل هو!!

سبونج بوب وهو يفشل في إمتحان قيادة أخر!

مالذي حدث بعد ذلك؟ هل سمحت لليأس بالسيطرة عليّ؟ هل أتحول إلى سبونج بوب الذي يخوض امتحانات القيادة مرة بعد مرة دون أن ينجح في أي منها؟ ستعرفون جواب ذلك في الحلقة القادمة من مسلسل مدرسة القيادة.

شاركوا هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

مدرسة القيادة – الجزء الثالث

هذه سلسلة تدوينات بمناسبة أسبوع المرور العربي وفيها أحكي كيف تعلمت القيادة في ليبيا. توقفت عند شهر رمضان المبارك وكيف أنني إنقطعت عن التدريب خلال هذا الشهر.
هذه القصة مبنية على أحداث حقيقية 100% وكل الشخصيات بها مستوحاة من شخصيات حقيقية لأنها كذلك!!
لقراءة الجزء اﻷول إضغط هنا. وللجزء الثاني إضغط هنا من فضلك.

العودة للتدريب

بعد رمضان بدأت الدراسة وكنت قد نسيت القيادة تمامًا وحاولت التركيز على دراسة مادة واحدة فقط – لظروف شاذة كنت أمر بها فرضت عليّ دراسة مادة واحدة في ذلك الفصل – لتصدمني وفاة صديقي حمزة وما أعقبه ذلك من تأثير عميق على نفسيتي. وبالقرب من نهاية الفصل الدراسي عدت للتدريب على القيادة دون أن أنجو من التوبيخ.

قال لي المدرب بغضب: “بتولي جديات ولا؟ مش تتدرب وتسيب وتتدرب وتسيب حتى اللي تعلمته تنساه راك. أسمع راهي أخر مرة، بعدها والله ما عاد نعرفك، فاهم ولا؟”.

لم تفلح أعذاري معه باستثناء ألم كاحلي حيث قال لي بعصبية وإستنكار: “وكان قلتلي رجلك توجع فيك راه مش هكي الكلام!”.

عدنا للتدريب وأخذ الأستاذ يدربني على سيناريو الامتحان الذي هو عبارة عن جولة بالسيارة حول منطقة محددة يتوجه المتدرب فيها يمينًا ويسارًا حسب توجيهات الممتحن الذي يحاول إرباكه وإفشاله، بالحديث تارة وبالإٍسئلة العشوائية تارة أخرى. وليس من الضروري أن أؤكد أن لبس حزام القيادة وإستخدام أضواء التوجيه (الفليتشات) والنظر في المرآة من ضروريات النجاح.

الهونداي فيرنا التي تعلمت فيها القيادة شبيهة بهذه

والحقيقة أنه زرع في نفسي الرهبة من امتحان القيادة.  معززًا الشائعات التي كنت أسمعها عن صعوبة الاختبار وأنه لا ينجح أحد في اجتيازه من المرة الأولى.

بعد عدد لا بأس به من الحصص، قرر المدرب أن الموعد قد حل لكي أجرب حظي في دخول الامتحان، وفعلا قام بإحالة أوراقي للمفت.. الممتحن وطلب مني الحضور للمدرسة قبل الامتحان بقليل.

مميزات مدرسة القيادة

ما لم أكن أعلمه أن المتقدم للامتحان يأخذ أوراقه بنفسه، يبدو أن هذه من مزايا مدرسة القيادة!
وبعد حصة مراجعة في المدرسة للقوانين اصطففنا لدخول الامتحان، القسم الأول كان حول الإشارات والقسم الثاني كان جولة بالسيارة. هذا بالنسبة لرخصة الدرجة الأولى.
أما رخصة الدرجة الثانية فلديهم جزء ميكانيكي من الاختبار يضاف للجزئين السابقين.

ورقة إشارات المرور العتيدة!

يوم الامتحان

دخلت القاعة لأجيب على أسئلة الإشارات وأنا أشعر بالرهبة، زاد هذه الرهبة العقيد الذي كان يسأل الممتحنين عن الإشارات بملامحه القاسية وقامته الهائلة والرتبة التي تصطف على كتفيه صارخة بالنفوذ. وبالطبع فقد فشلت في الإجابة وعدت أجر أذيال الخيبة.

كلاكيت ثاني مرة!

في المرة الثانية وصلت بالفعل للجولة! صعدت المركبة مع ثلاثة متقدمين للامتحان وعقيد بالمرور يجلس بالخلف، وممتحن يجلس في الأمام يوجه المتقدم ويربكه بالأسئلة أثناء القيادة.

جلس أحد الشباب قبلي -حيث كان ترتيبي اﻷخير- وبادره الممتحن بالسؤال: “بوك فلان؟” وهذا السؤال دلالة على أنه يعرف والده من مكان ما، وبالفعل كان من معارف والده وطلب منه أن يسلم عليه. وارتكب هذا الشاب خطئًا فادحًا وهو يقود حيث كان ينوي الانعطاف إلى اليسار فقاد بسرعة ودون أن يتوقف إلى الجانب الأيسر – بدل أن يتوقف في الوسط كما هو المفروض وينظر إلى اليمين واليسار (فيما يعرف بإعطاء الأسبقية في الاتجاه الواحد المتبادل) -. وتغاضى الممتحن عن ذلك الخطأ برشاقة ونجح الشاب في الامتحان!!

من المفترض أن تتوقف عند تغيير الإتجاه، أليس كذلك؟

دوري في القيادة!

وصل دوري فجلست وحاولت تشغيل المحرك كما هي العادة، ففاجئني صوته النشاز مدويًا: “السيارة والعة يا شاب، هذي أول غلطة و مازالت غلطة“. وأثناء الجولة انطفأ المحرك مني دون قصد في أحد المرتفعات فقال لي أنني رسبت وطلب مني أن أقود لمكان البداية. فذكرته بخطأ إبن “صديقه” الفادح فقال لي بعصبية: “أنا متع واسطات كان عاجبك، وبرا اشكي فيا” وهو يقود بطريقة جنونية حتى وصلنا إلى مكان البداية ثم صرخ في أن أنزل ورمى إلي بالفيلاروزا – وهي علامة على أنني فشلت في الاختبار – .

لم يوبخني مدربي حتى ..

الثالثة .. أبلة؟

في المرة الثالثة التي كانت بعد أسبوع كذلك – وذكرني مدربي بفضل المدرسة علينا وكيف أننا نمتحن كل أسبوع بينما الآخرون يمتحنون مرة كل شهر-.
جلست في قاعة الانتظار مع زملائي منتظرين موعد الاختبار، وقد لفت انتباههم درايتي الواسعة بمجريات الامتحان وفحواه فوجدت نفسي واقفًا على السبورة أشرح لهم الإشارات كما كان يفعل النقيب في الحصص النظرية.

دخل أحد أعضاء اللجنة مسرعًا وقاطع شرحي وطلب أن يأتي أحد الشباب معه. وتهامس الجميع أنه “عنده واسطة قوية وواصل في الدولة” وأنه الآن يتناول الفطور مع أعضاء اللجنة (حيث أن الامتحان لن يبدأ حتى يتناولوا فطورهم!).

أكل البريوش للفطور عادة من عادات أهل طرابلس

سريعًا جاء وقت امتحان الإشارات، ووقفت في الطابور أنتظر دوري وقد زالت عني رهبتي القديمة – بحكم الخبرة – وعندما هممت بالدخول استوقفني العقيد الذي امتحنني أول مرة قائلا: “راجي“.
فقلت له بتلقائية: “أه تبي الأبلة تخش قبلي؟” فقال لي: “تعال نبيك في كلمة”.

ماهو الشيء الذي قاله لي العقيد ذو القامة الهائلة والذي تركني منعقد اللسان؟! وهل تكون هذه المرة في الامتحان أحسن من سابقاتها؟

الحلقة القادمة تعد بالكثير من المفاجآت!!

شاركو هذه التدوينة على مواقع التواصل الإجتماعي وساعدوني على نشر المدونة 🙂

قطع الإنترنت على طرابلس أثناء ثورة فبراير 2011

وبغض النظر عن انتفاضة 17 فبراير ونتائجها فإنني بصدد التدوين عن حدث فرعي حدث خلال هذه الانتفاضة، وهو قطع النظام الحاكم لخدمات الإنترنت والرسائل النصية بالكامل عن ليبيا، من يوم الثالث من مارس 2011، لأجل قمع الانتفاضة ومنع النشطاء من نشر مقاطع الاحتجاجات على الإنترنت، الأمر الذي نزل كالصاعقة على رأسي!
قطع كابل الإنترنت صورة ساخرة
قطع الإنترنت صورة ساخرة

مراحل قطع الإنترنت

المرحلة الأولى من القطع استهدفت مواقع الأخبار الأجنبية كالجزيرة والعربية والحرة وبي بي سي وسكاي نيوز ومواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، وكذلك خدمة الرسائل القصيرة SMS، وبينما كانت خدمة الإنترنت موجودة لكنها كانت بطيئة للغاية وتكاد تكون معدومة.

المرحلة الثانية شملت كل المواقع ما عدا المواقع المحلية ذات النطاق أل واي، مثل موقع أل تي تي وليبيانا والمدار، وللأمانة كان تحميل هذه المواقع سريعًا وسلسًا، وعديم الفائدة إلى أقصى حد، مالذي سأفعله بموقع مزود الخدمة إن كانت الخدمة مقطوعة من الأساس؟

المرحلة الأخيرة كانت قطعًا شاملا لخدمات الإنترنت على ليبيا، وعلى من يريد إرجاع خدمة الإنترنت تقديم طلب لمكتب الأمن الداخلي مع توقيع تعهد بعدم زيارة مواقع التواصل والمواقع الإخبارية، مع أخذ العلم أن شبكة الإنترنت هذه مراقبة بالكامل.

انقطاع الإنترنت دام لمدة خمسة أشهر كاملة، حتى أواخر شهر أغسطس من العام ذاته بعد دخول الثوار إلى مدينة طرابلس وبسط سيطرتهم عليها، وبالنسبة لي أنا لم تعد خدمة الإنترنت حتى بداية شهر سبتمبر لأن الشبكة الكهربائية تضررت أثناء المعارك واستغرق تصليحها أكثر من أسبوعين..

علاقتي مع ال تي تي ليست بأفضل حالاتها

مالذي حدث في تلك الفترة؟

قبل الإنقطاع كنت بصدد تحميل الكثير من الأدوات مفتوحة المصدر بعد اشتراكي في خدمة إنترنت المدار، حيث كان انترنت المدار يعطي المستخدم 45 ساعة -دايل أب- مقابل 10 دنانير في الشهر، ومع استخدام مدير تحميل بيانات ومودم اتصالات(شبيه تماما بمودم إنترنت ليبيانا) كانت سرعة التحميل مقبولة، وكان موقع بديل آنذاك هو دليلي للتحول من برامج ويندوز المقرصنة نحو عالم مفتوح المصدر، ولكن للأسف حال قطع الإنترنت بيني وبين تكملة هذه التحميلات وبالتالي التحول المنشود.

المحاولة، ثم اليأس، وأخيرًا القبول!

بعد محاولات لا حصر لها بإعادة تحميل الصفحة، والولوج بأدوات تزعم قدرتها على تخطي الحجب والرقابة، إستسلمت للواقع وحاولت التعايش معه، وقمت بحذف تحميلاتي المنتظرة في النهاية لطول الانتظار!

صفحة الويب عند انقطاع النت

في ذلك الوقت لم يكن هنالك الدينصور تي ركس لنلعب به بإنتظار رجوع الإنترنت!

الديناصور تي ركس لعبة جوجل كروم

نعمة في زي نقمة

في تلك الفترة لم يكن موقع فيسبوك منتشرًا انتشارا كبيرا في ليبيا كما هو الآن (والسخرية أن صعود وسائل التواصل جاء كرد فعل عكسي على قطع الإنترنت)، بل كان أغلب التواصل يتم عبر الماسنجر والمنتديات كالهندسة نت والكساد، كما بدأت برامج الشات كالنيم بز تصعد تدريجيا بين الشباب، وشخصيا لم أكن فعالًا بشكل كبير على الإنترنت وتجربتي الخجولة مع التدوين فشلت كليا.

ويجب علي أن أعترف أن قطع الإنترنت عني كان نعمة حقيقية، فقد مكنني هذا الانقطاع الطويل (بالإضافة لإيقافي لقيدي الدراسي تلك السنة بسبب الأوضاع الأمنية الغير مسبوقة) من القيام بالعديد من الأمور التي كانت تبدو لي من المستحيلات!

من ضمن هذه الأمور

  • ترتيب المجلدات والملفات التي تراكمت عبر سنوات من التحميلات العشوائية بشكل منظم وجيد، وتحديد ما أحتاج إليه فعلا وما لا أحتاج إليه، وبالتالي توفير مساحة القرص وتسهيل الوصول للملفات والمجلدات.
  • قراءة عدد من الكتب (الإلكترونية والورقية) التي بقيت مهملة لفترة لا بأس بها.
  • تحويل كراسات كاملة من الورق المكتوب بخط اليد إلى صيغة إلكترونية سهلة الحفظ والاسترجاع وكذلك التخزين الاحتياطي لها، والتخلص من هذه الكراريس وفر مساحة لا بأس بها في خزانتي.
  • طباعة هذه الكمية من الأوراق أدت إلى تحسين سرعة الطباعة باللمس لدي دون أن أشعر.
  • تعلم استعمال عدد من البرامج الخدمية المهمة التي لم أجد لها وقتًا من قبل (جزئيًا بسبب الإنترنت).
  • مشاهدة عدد من الأفلام التي لم أجد لها وقتًا على الإطلاق!
  • برمجة لعبة إلكترونية باستخدام المصادر المتاحة دون إنترنت، وهي من الإنجازات التي أفتخر بها حتى الساعة!
  • قمت بالتدرب على كتابة خط الرقعة! طوال عمري كان خط يدي فظيعًا ومثار سخرية من معلمي ومعلماتي، وسببًا من أسباب انخفاض درجاتي لأن المدرسين لا يفهمون ما أكتب، لذلك خصصت وقتًا لإتقان خط الرقعة، اﻷمر يستحق المحاولة!
  • تحديد ما يجب زيارته على الإنترنت بعد رجوعه وترتيبه في قوائم ومجلدات، وكان دخول الإنترنت بعد انقطاع أشهر عديدة من أمتع التجارب التي خضتها في حياتي حتى الساعة (نعم حياتي مملة إلى هذا الحد!).

بالطبع لم يقاطع نسق هذه الإنجازات سوى انقطاع الكهرباء الذي بدأ منذ أواسط شهر يوليو من ذلك العام (واستمر حتى اللحظة)، وكنت أعمل بالقدر الذي تسمح به بطارية حاسبي النوتبوك الصغير، قبل أن أقفله بانتظار رجوع الكهرباء مجددًا، فلم تكن المولدات شائعة إطلاقا في تلك الأيام ولا كان يخطر على بال أحد كل تلك المشاكل.

اعتبرت هذه الفترة قفزة حضارية في حياتي لأنني اطلعت على العديد من المصادر والأدوات التي سهلت دراستي وعملي لاحقًا (ودونت عن معظمها في هذه المدونة)، وما كنت لأركز فيها لولا أن الإنترنت كان مقطوعًا لأشهر متواصلة!

الإنترنت

الإنترنت هو بحر واسع من المعرفة والعلوم، كذلك به العديد من المواقع التي صممت خصيصا لتضييع الوقت، وأعترف أنني أضيع الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي لا أفعل شيئا سوى التصفح دون هدف، لذلك سوف أقوم بقطع الإنترنت أكثر وأركز على ما يجب عمله فعلا، لأنني دون أن أعلم كونت نظام إنتاجية فعال يركز على العمل دون إنترنت وتجميع الأمور التي أريد البحث عنها في الإنترنت لوقت لاحق، حتى تكون جلسة ذات هدف ومفيدة وممتعة كذلك.

شاطئ البحر من تاجوراء
شاطئ البحر من تاجوراء من إلتقاطي

وسائل التواصل والبؤس!

دراسة جديدة أجريت في عام 2017 أكدت المعتقد الشائع، أنه كلما زاد الوقت الذي تمضيه على فيسبوك كلما زاد شعورك بالتعاسة! لماذا أعرض نفسي لهذا البؤس وأنفق مالي عليه؟ بينما يمكنني قراءة روائع الأدب أو مشاهدة شيء مسلي ومفيد؟

فيسبوك يسبب البؤس

اليوم في 2017

تبدو فكرة العمل دون إنترنت متطرفة قليلًا، فالبريد الإلكتروني مثلا يتطلب وجود اتصال دائم بالإنترنت لأداء الأعمال اليومية عليه، كما أن العديد من الخدمات كالترجمة والبريد الإلكتروني مثلا تتواجد على الإنترنت، لذا يجب أن يكون هنالك حل وسط لهذه المعضلة!

ويجب أن يكون القرار نابعًا من داخلي ومعززًا بإدراكي لأهمية الوقت والإنتاجية، ليس لأن الأمر فرض علي فرضًا!

الحل الذي لدي هو بحجب مواقع التواصل الاجتماعي (مرحلة واحد من قطع الإنترنت) ولو مؤقتًا للتركيز على المهمات الواجب تنفيذها، وفي حالة عدم تمكني من الالتزام بذلك قطع الإنترنت بشكل كلي عن الجهاز.

حجب الواي فاي كليا كحل للتأخير

هذه كانت الصفحة الأولى من صفحات من حياتي، قررت مشاركتها مع قراء المدونة، لكي يعرفو أنه خلف ضجيج المولدات و زحام منظومة الجوازات يوجد شخص حقيقي لديه ذكرياته وأمور يرغب في الحديث حولها غير دخان العوادم وفتح المنظومات!

استمرار هذا الباب يعتمد على تفاعلكم ومشاركتكم.

شكرًا لكم على قراءة هذه التدوينة، وبانتظار تعليقاتكم ومشاركتكم للتدوينة على وسائل التواصل لتعم الفائدة 🙂

مذكرات يوم إجازة

مرت مدة طويلة منذ أخر إجازة حقيقية حصلت عليها!
لا أتحدث عن أيام العطلة، فكل أسبوع لدينا يوم الجمعة (أعمل يوم السبت معظم الوقت)، وحتى يوم الجمعة لاحظت أنني أقوم بالكثير من الأعمال التي لا تندرج تحت مفهوم الإجازة!

 


أحتاج لإجازة حقيقية بعيدًا عن العمل وتعقيداته وصخب الإنترنت وشبكات التواصل، من الصعب جدًا توفير مثل هذه الأيام ولكنني قررت تخصيصها بالقوة!

ورغم أنني في إجازة، إلا أن هذا لم يمنعني من أن أكتب هذه السطور لأضعها على مدونتي في وقت لاحق، لا أعتبر الكتابة عملا يستدعي التوقف عنه، إنها حاجة ضرورية كالأكل والشرب، من يستطيع أن لا يأكل أو يشرب بحجة العطلة؟

ماذا يقول ستيفان كوفي؟

العادة السابعة من العادات السبع للأشخاص العالي الفاعلية كانت أخذ أجازة لشحذ المنشار، أدركت أن منشاري بحاجة ماسة للشحذ بعد أيام طويلة من العمل دون توقف على أمور متشعبة، وحتى لا أخاطر بالانهيار وفقدان الطاقة نهائيَا قررت استباق المحتوم وأخذ يوم راحة قبل أن أجبر على فعل ذلك في وقت لا أستطيع التوقف فيه، أو أن أخاطر بوعكة صحية قد تكلفني أكثر من الوقت والمال.

هنالك مثل انجليزي يمكنني ترجمته على النحو الأتي: العمل طول الوقت ودون لعب يحول جاك إلى صبي ممل! هذا المثل يحث على أخذ قسط من الراحة بين الحين والأخر لتجديد النشاط. تصادف أن يوم الأمس كان يوم أجازة لتعويض عطلة رسمية أتت في يوم الجمعة، فقررت أن أستغل هذا اليوم قليل الزخم لأرتاح قليلًا وأفكر في الخطوة التالية، وكانت أهم خطوة هي فصل الإنترنت عن جهازي بالكامل! جدولت التغريدات على موقع تويتر لتعرض أخر ثلاث تدوينات كتبتها لأنني أريد أن تستمر- مدونتي في النمو حتى وأنا خارج الشبكة.

شبكات إجتماعية أم شبكات لصيد المجاملات والإعجابات؟


ياللشبكات الاجتماعية! إنها تسبب الإدمان! تعدت وظيفتها الأساسية التي كانت توصيل الناس ببعضهم وتوصيل الأخبار لتتحول إلى حياة موازية تمتد بجوار حياتنا اليومية، وتطغى عليها بالنسبة للبعض الأخر!

ناهيك عن النقاشات العقيمة حول قضايا عادة ما تكون جزئية أو سطحية وليست ذات أهمية جوهرية، وللأسف هذه القضايا ملهيات عن الأمور المهمة، الحمد لله أنني فوتت أحدها بعطلتي هذه!

من منطلق المنظور الأكثر إيجابية قررت أن أتغاضى عن الأمور السلبية وأركز على تحقيق الأهداف المستقبلية.

أكاد أنسى كيف كان العالم قبل الشبكات الإجتماعية لأنني كنت أحملق في التلفاز طوال الوقت (توقفت عن مشاهدة التلفاز منذ عدة سنوات) وحقيقة لا أعرف كيف كانت الحياة قبل التلفاز فأنا من مواليد جيل التسعينات -أخر الثمانينات لأكون أكثر دقة-.

الرسائل الواردة لا تعرف معنى العطلة أو الخصوصية، هي تقتحم علينا حياتنا في كل وقت، وطالما الكهرباء متصلة هنالك عمل للقيام به، لا توجد آلة في هذه الدنيا تعمل طول الوقت دون توقف، فما بالك بالإنسان الذي خلق من لحم ودم وأعصاب؟!

كنت قد دونت من قبل عن أضرار إدمان موقع الفيس بوك وقلت أن أنماط النوم تتبدل بسبب دخول الموقع طول الوقت، لأن هنالك شيئا يمكن فعله على مدار الساعة، أناس يمكن التحدث إليهم ومنشورات جديدة لقراءتها طول الوقت!

قصة تاريخية

في أوج الحرب العالمية الثانية حين كانت قوات المحور تتواجه مع ألمانيا النازية، فاجأ وينستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا آنذاك الجميع بأنه سيأخذ إجازته كما جرت العادة، بينما قرر هتلر تأجيل إجازته بسبب ظروف الحرب. حدث ما كان متوقعًا وصارت قرارات هتلر متخبطة وعشوائية وغارقة في التعب بسبب تفويته الإجازة، بينما عاد تشرتشل نشيطًا ومفعمًا بالطاقة لمواصلة القتال، وهزمت ألمانيا هزيمة نكراء في الحرب وانتحر هتلر (كما تقول الروايات الرسمية، لكنني أعتقد شيئًا أخر تمامًا)، لا أقول بسبب عدم أخذه لاجازة سنوية، ولكن الأمر لا يخلو من ذلك!

ماهي الخطوة التالية؟

الخطوة التالية هي تحديد يوم أجازة ثابت لا أقوم فيه بأي وظيفة مهما كانت بسيطة أو مهمة، والأغلب أنه سيكون يوم الجمعة، من المهم جدًا تحديد يوم للعطلة لغرض تجديد النشاط والإقبال على العمل بنفس متجددة ومنشرحة.

كما أن الابتعاد عن تفاصيل العمل لوهلة سيمنحني القدرة على النظر إليها من منظور أبعد قليلًا ويمكنني من رؤية الصورة الكبرى لعملي وما أقوم به.

متى كانت أخر إجازة حقيقية أخذتها عزيزي القارئ؟ ماذا فعلت فيها؟ ومتى تريد أخذ إجازتك التالية؟ شاركني برأيك وشارك التدوينة على وسائل التواصل الإجتماعي لتصل لأبعد مدى.

« Older posts Newer posts »