Category: Tripoli (Page 18 of 23)

A vicious cycle

Heads up: This post was written for venting purpose only, it doesn’t provide any solutions or suggest them even remotely, and yes; it’s pretty damn depressing.

For the German version of this post, click here.  

I’m still living in Libya – using the term living loosely as usual -, and it seems like all my attempts to get out are failing miserably, so for what’s it worth, I’m sticking here for a while.

Everyday life

It always amazes me, how these people can survive on scraps, now matter how long I ponder this I can’t seem to wrap my head around it, and whoever is ruling seems to be pushing them to the limits, see how long they can survive without security, water, electricity, money and infra structure.
But somehow they are surviving. a bit like the walking dead – if you ever watched that show.
Word breaks out of a clash somewhere, huge lines at gas stations, that crisis ends and soon after a cooking gas crisis begins.
One shortage after the other, one made up crisis after the other. War breaks without notice in this hell hole. It defies reason and defies purpose. Yet that is how the system -and I use the term loosely- works.
If it rained like it would normally do, the streets would drown and mobility becomes very limited, usually combined with long power outages.

Photo credit: Safepath Group

Attempting to apply logic to these people is a sin, life is turning into a paradox inside of a paradox covered in camouflage textile.

The economy

No matter how hard they strike at them, they don’t respond. No matter how high the prices rise or how long the queues get to obtain basic needs, they just get lined up to get whatever for however.
It gets colder, the electricity goes off for days, it gets hotter the electricity also gets off for days on end, for an economy with so much inflation going on I’m surprised that there is a lack of money in the banks!
What are they doing then? Mostly stabbing each other in the back and trying to make the most of a bad situation, raising the prices of goods and services to squeeze every penny possible from people.

Others aren’t as affected by the situation like most

While most Libyans struggle to make ends meet, a few are living the life! Pictures of fancy homes, cars, and lavishing weddings surface on-line (thanks to facebook for this) to brag fortane and social status. With everything being covered in Nuttela chocolate (it’s a big deal here for some reason!).
Libyans always liked to brag in weddings and show that they have as much money as the next guy, even if they have to borrow money in order to do so, but that kind of splurging money is a whole new level. Is it a case of the lipstick effect?

The political scene in Libya

For a country that has a pair of each: Government, parliament, central bank. Everything is going down hill (assuming that the more the merrier of course)

  • Corruption eating away what’s left of Libya’s wealth.
  • No security
  • Local currency is non existent, and for something so rare it’s worthless.
  • No functioning bodies of governance.
  • No power / fuel to operate basic daily needs.

Governments change without the slights audit, in fact most of the former ministers and prime ministers are enjoying a peaceful retirement abroad, and no one checked if they embezzled money before leaving office, as if anyone one cared!
Laws are passed without anyone noticing and the only rule is the lack of rules!
How will a government work right if it’s not audited by the parliament.
How will the parliament asses any thing if the members fail to meet each time?!

The vicious cycle

Sadly most of the problems that are happening now happened before, some happened years ago like the liquidity issue and the high price of the US dollar on the black market, others happen each year like the water ponds caused by rain fall, if these issues are periodical, than they can be easily predicted and solved if there was a government of sort, but no! These issues will continue to occur because that’s how Libya functions.

Finally

Will it be fixed someday? Does anyone have a magic wand to make it all better? Chances are no one does. But if everyone does his part and takes responsibility for their action, then things could improve.

As a young man who grew up and lived all of his life in Libya, I don’t think that it will be fixed in my life time, and I’m not too excited about starting a family in these conditions and hope that my children would have it better.

I really hope that the people of this country wake up, and realize that what are they doing is drowning all of us, because we are on the same boat.

ليبيا بدون نقود – الواقع والحلول

مر عام ونصف منذ دونت عن أزمة السيولة في ليبيا، وحتى الآن فإن بوادر الحل لا تزال بعيدة المنال. هذه التدوينة لا تحاول حل لغز اختفاء 30 مليار دينار من المصارف (حسب بيانات المصرف المركزي)، ولا الإجراءات المصرفية التعسفية وتعسر السحب من المصارف،لأن هذا الأمر بالذات عجز عنه جهابذة الاقتصاد في ليبيا! لكنها تركز على الحلول البديلة ونظرة مستقبلية.

الدول الأوروبية والنقود الورقية

تفكر عدد من الدول الأوروبية في التخلي عن النقود بالكامل أولها السويد، لأن مواطنيها يعتمدون على طرق الدفع الإلكترونية بشكل كامل تقريبًا، ولتوفير نفقات طباعة النقود.

الجانب الأخر من العالم

دولة صغيرة اسمها أرض الصومال (ليست دولة الصومال الشقيقة) لديها أزمة اقتصادية خانقة، ليست لأن العملة غير متوفرة، بل إن الدولة تعاني من تضخم شديد، الدولار الأمريكي الواحد يساوي 9000 شلن، لدرجة إن تناثرت العملة التي تنقل على عربات في الشارع، لن يبالي أحد بالتقاطها!!

هذه الدولة لديها طريقة أخرى في دفع مستحقاتها وهي رصيد الهاتف النقال، فعدد كبير من مواطني هذه الدولة يحمل الهاتف النقال ويستعمله لدفع ثمن مشترياته، وهو الأمر الذي يغضب تجار العملة كثيرَا!

هل يمكن تطبيق هذا الحل في ليبيا؟

شركة المدار بدأت في تطبيق شيء مشابه، لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت لينتشر ويعم.

فنزويلا

فنزويلا أيضا تعاني من التضخم و انخفاض سعر العملة المحلية، وهي نقطة نعاني منها هنا في ليبيا، لكن الوضع في ليبيا لا يزال أفضل حتى الآن والحمد لله (لكنه مرشح لأن يسوء بتلك الطريقة).

خدمة البطاقات المصرفية

كنت قد دونت عنها في التدوينة الأولى، وهي تمكنك من شراء الخدمات والسلع باستخدام البطاقة (بجانب غرضها الأساسي وهو سحب المال من آلات السحب المنتشرة هنا وهناك)، ومنذ ذلك الوقت دخلت هذه الخدمة حيز التنفيذ وساهمت بحل جزء من المشكلة الكبيرة التي تتمثل في وجود أرصدة في المصارف لكن بدون نقود لسحبها.

الجانب السلبي لخدمة البطاقات

الكثير من التجار يستغل هذه الخدمة ويرفع أسعار الخدمات (المرتفعة أصلا) بحجة أنها تسعيرة البطاقة، وهو ما يعد من الربا – حتى وإن كان بعض أهل العلم قد أباحه للمشتري للضرورة -، وذلك بسبب غياب القانون الرادع على مثل هؤلاء التجار. لذلك يمضي المواطن يومه بحثًا عن محلات وسلع بسعر “الكاش” بعد أن فقد الأمل في الحصول عليه من المصارف مباشرة.

ما يراه التاجر

بالنظر للمسألة من وجهة نظر التاجر، فإن المصارف أخلفت وعودها بسحب القيمة من حساب التجار بعد وصولها إلى مبلغ معين، وأيضا بسبب غياب القانون فإن المال يدور خارج المصارف، وكذلك بالرشوة يمكنك سحب ما تشاء (أن تأخذ الربا لتدفعه رشوة للمصرف، كم هذا رائع).

خطوات خجولة

لا يزال التعامل بالبطاقة يشوبه الحذر والخجل من جانب المشتري، كأن البائع تفضل عليك و”تجمل” عليك من مال أبيه، بينما العالم بأسره يتعامل بهذه البطاقات منذ عشرات السنين، الأمر الذي يحتاج لخطوات جذرية لحل المشكلة.

 الاهتمام بالبنى التحتية

وأعني بذلك منظومات المصارف والإنترنت والكهرباء، فهي عماد خدمة البطاقات المصرفية والدفع بالشيكات، ليس من المعقول أن مقاصة من مصرف لأخر داخل البلاد تستغرق عشرين يومًا وأكثر ! إن لم يكن لديكم مال فحسنوا خدماتكم الأخرى على الأقل.

توفير مال في المصارف

أنا متأكد من أنه لو طبعت عملة جديدة، ستظهر شاحنات محملة بالعملة التي ستتغير إلى المصارف، بل وسيدفعون الرشاوي لتغييرها بعد نفاد أجل التغيير (لأن هذه الأمور تحدث دائما في ليبيا) وهذا لن يحدث حتى تعود الثقة في القطاع المصرفي، وغيابها هو سبب سحب اﻷموال خارجها.

العقلية

وهذه المسألة هي الأهم والأصعب، لأن العقلية التي تريد التعامل بالأموال السائلة وترفض وسائل الدفع الأخرى، وتستبيح الربا لاستغلال المواطن والاستيلاء على أكبر قدر من أمواله، هي ذات العقلية التي أعتقد أنها ستؤدي بنا للانقراض عاجلا غير أجل!!

حتى تنفرج هذه الأزمة التي طالت المقام حتى أقامت..

 

تجربتي في مركز القناة للخدمات الاعلامية والتدريب كطالب ومدرب

بعد مغادرة شركة شلمبرجير قدمت مباشرة على وظيفة معيد بعدد من الكليات، لأنه من الواضح أن هذه كانت رغبة أبي من البداية والتي كان يدفع نحوها بقوة. كما أنني وصلت إلى خلاصة أنني أريد أن أصبح أستاذًا جامعيًا و أن أتحصل على فرصة في الدراسة بالخارج.

وبالفعل وزعت ملفي على عدد من الكليات بانتظار الموافقة والقبول. كما تركت عيني مفتوحتين على الدورات التي يمكنني التسجيل فيها للرفع من كفاءتي، وعند البحث واجهني إعلان متكرر لدورات مجانية بالقرب من ذات العماد. بدا العنوان محيرًا ومحتواه أشد غرابة، دورات مجانية مع دفع رسوم الكرسي؟ خاصة أنه متكرر كثيرًا وبشكل يدفع للشك.

الزيارة

اتصلت بالرقم ليرد علي صوت أنثوي لاه، ولم تعر اتصالي اهتماما كبيرا. لذلك قررت زيارة المكان بنفسي للتأكد.

وبعد عدة مكالمات وصلت لمقر المركز وهو شقة بإحدى عمارات شارع المعري. وحجزت في دورة السكرتاريا و والإدارة والكمبيوتر ومهارة الحوار – أو شيء من هذا القبيل – وأخذت أخي حازم معي ليستفيد ويرفع من كفاءته هو الأخر، لأنه يشغل وظيفة حكومية وأي دورة ستساعده.

شقيقى حازم على اليسار وإلى يساره صاحب المركز وأنا في الوسط وجواري نجيب (أحد الزملاء)

نجحت في الدورة بشكل منقطع النظير وحصلت على درجة ممتاز – لأنه حسب صاحب المركز لا توجد درجة أعلى لمنحها – وسألني ماذا أعمل فقلت له أنني تركت شلمبرجير ويهمني الاحترام فوق كل شيء، فعرض علي التدريب لديه ويبدو أنني لم أسمع عرضه، لكنني قررت لاحقًا أنني أريد أن أعمل في التدريب واتصلت به فوافق من فوره.

صورة لي وأنا أستلم الشهادة

حرب فجر ليبيا أوقفت كل النشاط بالمركز، وكذلك هو لا يعمل خلال الشهر الفضيل، لذلك بدأنا العمل فور انتهاء العمليات القتالية بطرابلس.

بداية التدريب

أول مجموعة كلفت بتدريبها على برامج أوفيس كان فيها طالبتان من أقارب زوجته ، لأنه طلب مني أن أتصرف باحترام زائد، وعندما قلت له أنني أحترم الجميع طلب أكثر من ذلك..

على كل مرت المجموعة على خير وجاءت والدتهم في حفل تخرج الدفعة وكانت سعيدة وممتنة لمجهوداتي، وكان يومًا لطيفًا.

لاحظت أن هذا الرجل اللطيف المبتسم الذي يحدث الناس عن التنمية البشرية ليس كما يبدو عليه، وهو مستعد للكذب وأن يقسم حانتَا من أجل دينار إضافي، وطلباته لا تنتهي التي يطلبها بصفة ودية وهي لا تدخل في نطاق العمل الخاص بي، كإصلاح أجهزة الحاسوب التالفة مثلا وشراء بعض طلبات المركز.

فقد طلب مني حلًا لمشكلة الكهرباء بالمركز لذلك أحضرت له جهاز انفيرتر ليولد الكهرباء من بطارية سيارة لجهاز الكمبيوتر وجهاز العرض، ولأنه بخيل وحسب تعبيره (حني جيران يهود لسنة 1967) أصر على تقسيط ثمن الجهاز الذي دفعت ثمنه كاملًا لصاحبه، ثم أفسده ورفض دفع باقي ثمنه بالتقسيط، لا أدري ما مشكلة هذا الشخص بالضبط.

أبلة أيتيكيت

من ضمن الناس غريبة الأطوار التي يتعاون معها المركز هي مدربة ايتيكت تعمل مع الأمم المتحدة حسب ما تقول، وهي وللمفارقة تفتقر لأصول الإيتيكيت، فهي تشير بإصبع واحد للأشخاص وتتصرف بطريقة فجة وسوقية لا تليق بسيدة ولا حتى بسائق إيفيكو يعمل على خط الهضبة الشرقية، وطلب منا صاحب المركز أن نأخذ دورتها بشكل إجباري على أن تخصم من مستحقاتنا الشهرية، فرفضت لأن هذا يعني بطريقة مبطنة أننا لا نحسن التصرف ونحتاج إلى دورة خاصة.

باب النجار مخلوع؟

في حفل تخرج دورة الإيتيكيت كنت جالسا في مطبخ الشقة أعد لمحاضرتي وكتابي على الطاولة، فقذفت بحقيبتها على الكتاب مغطية إياه وهي تتحدث على الهاتف، ثم دفعت بيدها تهزها في وجهي تطلب قلمًا، فأعطيتها ورقة وقلما بكلتا يدي “على طريقة الايتيكيت اليابانية” وقلت لمن حولي بسخرية “هكي قروكم في الإيتكيت“. جاءت بعد أن أتمت مكالمتها الهاتفية تتعذر لأنها مشغولة، لكن الحكم قد صدر. وفاقد الشيء لا يعطيه!!

ياي!!

أحد غرباء الأطوار الذين أخذوا دورة الإيتيكيت شاب يتحدث بطريقة متكسرة وفيها الكثير من الدلال، أتى بحقيبة وردية فيها كل أواني المائدة لعمل الإيتكيت بما فيها برميل الشامبانيا، واشتكى لمدير المركز من نظراتي المستغربة تجاه عرض السيرك الخاص به، وكل ما كان في بالي أن لدي محاضرة لأعطيها مكان سوق المنزلية هذا.

مائدة الطعام الكاملة كما تبدو لعشاق الايتيكيت

لديه الآن برنامج تلفزيوني خاص به، علمت ذلك من أحد المقاهي حيث كان التلفزيون مفتوحًا عليه، وعلق صاحب المقهى بالقول:

“تفو عليك وعلي عطاك برنامج؟!!”

المظاهر قد تكون خداعة أحيانًا

سارت الأمور عادية لبضع أشهر، كنت أتقاسم تعليم الكمبيوتر مع أستاذ ملتحي غريب الأطوار، كان يعمل سائق سيارة إسعاف يلتقط بها الجثث من الجبهات ويلتذ بمشاهدة تشريحها، ويدعوني لذلك في كل مناسبة. كما أنه ورغم مظهره المتشدد متبسط في الحديث مع الموظفات والطالبات بأسماء الدلع ويتحدث معهم بكل أريحية ويقهقه على النكات ويصفق يديه معهن (خمسطاشات) ويناديهن بألقاب الدلع مثل: منو وهنو وحنو!!

في مرة انتقد “الشيخ” زي إحدى الموظفات، فنادانا المدير معًا ليتحدث إلينا ووجه كلامه إلي بالكامل، وأنا لم أفهم شيئا ونظرت إليها مستفهما فأشارت للشيخ أبو لحية ذاك، وسألته لماذا يوجه كلامه إلي فقال أنه لا يريد توبيخه مباشرة وأنه يوبخ شخصًا غير المخطئ ليتعلم هو والآخرون..

بداية المشاكل

بدأت المشكلة عندما انصرف “الشيخ” لحاله وترك لي الصفوف الصباحية والمسائية، ما يعني أن دنانيره السبع في الساعة ستصب في جيبي أنا، وبالفعل كنت أقضي اليوم بالكامل في المركز أعلم الصفوف وأحاول قضاء الوقت الباقي وأنا أقرأ أو أشاهد شيئا على الهاتف.

كانت هنالك حجرة فارغة بعد أن غادر المستأجر القديم الذي كان يتقاسم الشقة مع مركز الدورات، كنت أجلس فيها وحيدًا لأقرأ بين المحاضرات وكنت أرفض استقبال الطلبة فيها، بل أخرج لهم في البهو ثم أعود إليها وحيدًا. وكان الفاصل بين المحاضرتين كبيرًا، من الحادية عشر حتى الخامسة مساء، والعودة للبيت ثم للمركز في زحام طرابلس العاصمة أثبتت أنها فكرة سيئة جدًا.

جاءتني السكرتيرة وقالت لي أن المدير منع أي أحد من دخول الحجرة وطلب إقفالها، فقلت لها أنه يجب أن يخبرني ذلك بنفسي لأنه هو من قال لي أنني يمكني استعمال الحجرة للجلوس، ولكنها أصرت على إخراجي منها وإقفالها. لذا انتظرت حتى مجيئه وسألته فقال أنه لم يقل لها شيئًا كذلك، ولكن هنالك أمانات في الغرفة يخاف عليها. لقد وصلت الرسالة سيادتك ولا داعي للأساليب الملتوية.

الدفعة المحظوظة

 كان في فصل الصباح ثلاث طالبات واحدة منهم انتقلت للصف المسائي وتركت واحدة منهم الدراسة، وبقيت واحدة فقط اضطررت لتعليمها منفردة، ولما أتى وقت الحساب قال أنه لن يدفع لي لأن فصلًا فيه طالبة واحدة لم يكن ليفتح من الأساس، وقام بخصم المبلغ من السكرتيرة التي أعدت الجدول. وقال لها أن المال المخصوم منها سيدفع للأستاذ وهو أنا باعتبار أنه يعطي دورة الإدارة والسكرتاريا بنفسه. رفضت أخذ المال وقلت له بالحرف الواحد: “أنا الحاجة اللي تطيح مني ما نطبسش نقيمها.”

لذلك قامت الفتاة بمقاطعتي قبل أن تترك المركز (صححت لها ذلك المفهوم لاحقًا) ولأنني لم أخذ المال فقد سقط في جيبه هو، طبعًا.  وكان فصل المساء ممتلئا لكنه لم يعطيني العلاوة التي اتفقنا عليها من البداية، وهذا أشعرني بالإحباط الشديد، فأنا كنت محتاجًا للمال لصيانة السيارة، ولم أكن أريد أن أسحب من حسابي في المصرف للصرف منه (هذا كله حدث قبل أزمة السيولة الخانقة).

كبش الفداء

السكرتيرة بالمركز كانت طالبة جامعية، والدها توفى بالسرطان وترك لهم دينًا ثقيلًا، وبدل أن يساعدها على تحمل تكاليف الحياة كان يحملها مالا تطيق، فكانت تأتي قبله وتفتح الباب و تنظف المركز وتستقبل الضيوف وتعد القهوة والشاي لهم وتغسل الصحون بنفسها. كما أنه يفرض عليها أن تدخل لموقع سوق ليبيا المفتوح بعدة حسابات وأن تغرق الموقع بالاعلانات يوميًا ليضمن لنفسه أكبر حصة من المتدربين.

وعندما غادرت ألف لي قصة حزينة مفادها انه سترها أمام أهلها بينما كانت تذهب لتلهو مع صديقاتها وكذبت عليهم أنها تشتغل لديه، وأنها توسلت له لكي يخفي عن إخوتها لهوها – علما بأنها اتصلت بي وقالت لي أنها عثرت على عمل جديد قبل ذلك بفترة.. أي أن سيادة مدرب التنمية المحترم الذي كان يعلم الناس اﻷخلاق كان يطعن في شرف موظفته السابقة.. ياله من رجل نبيل.

دورات الإعلام

من ضمن نشاطات المركز العديدة والمتشعبة والمثيرة للشك هي الدورات الإعلامية، وإن كنت فتحت الراديو وسمعت صوتًا مثيرًا للغثيان، فأغلب الظن أنه تتلمذ على يدي ذلك السيد الفاضل. ولكي يتفرغ لتدريس بعض المجموعات كان يسند المهام “لأستاذ” أخر من نفس منطقته، مطلّق وهذه أول معلومة تعرفها عنه، وهو مهووس بالمدامات، ويتحدث عنهن طول الوقت. بل أنه أعطى رقمه لإحدى الطالبات – مدام – وطلب منها الاتصال في أي وقت نهارًا أو ليلًا أثناء محاضرة، ما دفع بصاحب المركز لشد ما تبقى من شعره والصراخ – في وجهي أنا كعادته -، لكنني أوقفته عند حده بصرامة هذه المرة. وأكد لي مجددًا أن القاعدة الأولى للمركز هي:

“اللي بيصيع يصيع برا المركز، صياعة مع الطالبات لا.”

إحدى طالبات دورة الاعلام – والتي خصص لها دورة لوحدها – كانت تتشبه بتايلور سويفت، وهي مغنية أمريكية طويلة القامة شقراء، كان يصطحبها والدها إلى المركز ويجلس في مكانه منتظرًا حتى تنتهي، وهي مغرورة حجم غرورها أكبر من كعب حذائها (العالي جدًا).

لماذا ذكرتها؟ لأنه لكي يتفرغ لتدريس تايلور سويفت هذه عهد لجاره عاشق المدامات بالتدريس..

العودة بعد انقطاع

عدت للعمل بعد اصلاح السيارة نسبيًا وأنا أشعر بسلبية تجاه الرجل الذي أكل حقي، وهو لاحظ تغير معاملتي له، لم أصبح سيئًا معه، فقط لست وديًا كما كنت، وأشاع في المركز أنني سأغادر ليجرب مدى تأثير الإشاعة. نعم هو ذلك النوع من الناس.

لقد طلب من حارس العمارة عرض وظيفة وهمية علي ليرى إن كنت سأقتنع، ذلك الشاب بسيط العقل قال لي منذ أشهر أن الفتاة التي يرغب في الزواج بها ستأتي لخوض دورة تدريبية وأنني يجب أن أدرسها جيدَا، ثم إدعى أن صاحبة مركز في قرجي بحاجة لمدربين وأنها تدفع مالًا كثيرًا (وللمصادفة فان اسمها يطابق اسم فتاة أحلامه) لا بد أن المسكين ظن أن ذاكرتي كذاكرة السمك الذهبي.

السمك الذهبي مشهور بذاكرته القصيرة

بل إن صاحب المركز وصل لدرجة من الخبث والتأمر أنه يجتمع بالطالبات منفردات ويطلب منهن فتح كلام معي لاختبار إن كنت أنساق في الحديث معهن أم لا؟! وعرفت هذا منهن مباشرة – لسن عميلات مخابرات جيدات بصراحة!– لا أدري مالذي يدور في ذهن هذا الرجل حقيقة!

ربما لا يعرف أنني شخص محترف لا يخلط العلاقات بالعمل، هذه مشكلته حقيقة.

مساعدون بلا كفاءة

كنت أعطي المحاضرة الصباحية لكن مفتاح المركز لم يكن لدي – رغم أنني من اشترى القفل والسلسلة كجزء من الخدمات اﻷخوية التي كان يطلبها – وكنت أنتظر تحت العمارة حتى تفتح السكرتيرة الباب، وأستطيع أن أقول بكل حرية أن سكان العمارة لم يرحبوا بفكرة مركز دورات مختلط، بل أن بعضهم كان يتصرف معنا كالغزاة. بل إن بعض الطالبات كن يرفضن القدوم بمجرد فهم مكان المركز وأنه عبارة عن شقة داخل عمارة سكنية، هل الأمر بذلك السوء حقيقة؟

كنت أنتظر أي من كانت تعمل لديه هذا الأسبوع ضمن برنامج “الاحتكاك الوظيفي” لكي تأتي وتفتح الباب، واضطررت للصراخ على إحداهن في إحدى المرات.

حيث حضرت متأخرة ساعة كاملة عن موعد المحاضرة وأنا والطلبة تحت العمارة ننتظر، ولاحظت أن يديها حتى المرفقين مخضبتان بالحناء وشعرها مجدول بضفائر صفراء صناعية وصوتها مبحوح ما دل أنها كانت في عرس الخميس (المحاضرة كانت يوم السبت)، صعدت خلفها وبدا عليها الضيق من توبيخي لها وقالت أن لديها “ظروف”:

-وين يا أبلة فلانة، ساعة تأخير.

=ظروف يا ستاد.

-يديك محنيات وصوتك هارب، ماشية تدربكي في عرس مش ظروف.

=لا كيف تقول هكي يا ستاااد.

-مدخليش في شن تديري في حوشكم أنا عندي محاضرة التسعة الباب يكون مفتوح والطلبة في القاعة، مش شوري، بري نادي الطلبة صبح; مش تعيطي عليهم من الروشن، انزلي لوطا ناديهم.

فقامت هذه الأخيرة بشكواي إلى مدير المركز، الذي أنبني على كلامي فقلت له:

انت مش مقايللهم استاذ معاذ زي خوي وكلمته تمشي عالكل؟ كيف تلوم عليا لما مخلية بناويت الناس في الشارع؟ طالبات دافعات حق الدورة المفروض من التسعة وهما يقرو.

الدورة الفاصلة

المرة الثانية قال لي صاحب المركز أنه سيقوم بعمل دورة تدريبية لسيدات جمعية خيرية (من منطقته كذلك) على استعمال الإنترنت ووسائل التواصل، وأنه من طيبة قلبه تكفل بدفع مستحقات مدرب الدورة وأنه منحها لهم مجانًا.

وبالفعل أعطيت السيدات دورة (منهم الطالبة وجه النحس التي درستها منفردة)، الطريف في الأمر أنهن لم يكن متفرغات وأنه كان عليّ أن أعطيهم دورة متفرقة، وفي كل مرة يتم التأجيل لسبب أو لأخر. أنا أجلت ليومين بسبب امتحان القبول في الكلية الذي أقيم على يومين منفصلين.

من ضمن الكلام الفارغ الذي قاله لي بعد أن ذهبت لامتحان القبول في الكلية أنني عثرت على مكان أفضل، وأنني مثل البقية “نجري ورا الفلوس” وأنني بدون مبادئ وكلام عجيب كهذا. فذكرته أنني أعمل هنا بانتظار التعيين، وليس طموحي إعطاء دورات الكمبيوتر وتناول الحلويات كل يوم خميس في يوم التخرج اﻷسبوعي. وعلى كل يبدو أنه لم يطلع على مرتبات المعيدين السخيفة، عفوا السخية..

في المرة الثالثة أتيت حسب الموعد الذي حدده لي وكان يسد علي باب المركز ليمنعني من الدخول، وقال لي أنني أخطأت السمع وأنني مثل باقي الشباب لا أركز، لكنني عندما حاصرته بأقواله أدخلني وقال أنه بدون سكرتاريا المركز ينهار وأنه بحاجة لمساعدة جديدة، ووعدني أن الدورة ستكون في موعدها. كما أكد أن السيدات دفعن مبالغ رمزية لتعلم دخول الانترنت (في البداية كانت دورة مجانية من كرمه وحسن أخلاقه).

صورة لأيفيكو لمن لا يعرفه

جئت في إفيكيو للمركز لأن سيارتي كانت في الورشة لأعرف منه أنهن أجلن الدورة مرة ثالثة، فقلت له أنني انتهيت منهن ولن أدرسهن مرة أخرى، وأن احترام الموعد قيمة مهمة. وتوسل إليّ أن أحضر في الغد لتدريسهن. فرفضت وخرجت.

في اليوم التالي وجدت أنه غير موعد محاضرتي لتلتصق بمحاضرة نادي الأرامل ذاك، وعند خروجي من المركز سد علي باب الخروج هو (وعاشق المدامات) وقال لي أنه إن أردت ألا أدرسهن فعلي قول ذلك لهن  مباشرة– كان لديه 24 ساعة لإعلامهن بأنني أرفض تدريسهن وأن يحجز لهن موعدًا أخر – فخرجت رغم أنه كان يسد علي الباب، وأخر ما قاله لي كان: “هذا قدر المركز عندك؟” فقلت له أنها ليست مشكلتي..

لاحقًا عدت لاستلام باقي مستحقاتي وشهادة خبرة بالساعات التدريبية، ولم أعد إليه منذ ذلك الحين..

أعتقد أنني أعطيته أهم درس يمكنه تعلمه: احترام الكلمة، واحترام الموعد.

حسنًا، لم تكن هذه التجربة ايجابية تمامًا، ولكنني تعلمت الكثير خلال هذه اﻷشهر التي عملت فيها في مركز القناة الدورات والخدمات الإعلامية والتدريب..

هل سبق لك التعامل مع شخص مثل هذا، كيف كانت تجربتك وماهي الدروس التي خرجت بها؟ شاركني في قسم التعليقات لتعم الفائدة.

تجربتي في شركة شلمبرجير ليبيا

بعد تخرجي بقليل خضت فترة تدريب لمدة سنة في شركة شلمبرجير أوفرسيز العالمية فرع ليبيا، هذه التجربة لا تمثل شركة شلمبرجير بالكامل ولا حتى القسم الذي عملت به، ورغم أنها كانت تجربة رائعة إلا أنها حملت عددًا من السلبيات دفعني في النهاية للاستقالة.

تحذير: تحتوي هذه التدوينة على ألفاظ ومواضيع خارجة، اقرأ على مسؤوليتك..


البداية، امتحان خطي

بدأت القصة عندما تخرجت من المعهد العالي للمهن الإلكترونية، حيث كان من عادة شركة شلمبرجير أن تأتي وتقوم بامتحان خطي للخريجين، لم يكن من المفترض أن أخوض الامتحان لأنهم طلبوا خريجي قسمي التحكم والاتصالات – أنا خريج قسم الحاسب -، ولكنني دخلت على أي حال!

كان الامتحان لمدة 100 دقيقة ويتألف من 100 سؤال، بكل ورقة 20 سؤالًا في مختلف النواحي: لغة إنجليزية، ورياضيات، وفيزياء، وميكانيكا، وعشرون سؤالًا من اختبارات الذكاء.

لم أتمكن من إجابة جميع الأسئلة وخرجت مصابًا بصداع شديد!

بعد عدة أشهر  تلقيت اتصالا من رقم غريب، كانت شركة شلمبرجير تدعوني للحضور لمقر الشركة بذات العماد لإستلام متطلبات الإمتحان.

ذهبت لمقر الشركة بذات العماد واستلمت متطلبات الامتحان  التي شملت أسلوب اللباس، ومقر الشركة، وموعد الامتحان، والمتوقع من المتقدم. وهو عبارة عن مقابلة جماعية وفردية، واختبار للعمل الجماعي، يستمر لمدة يوم كامل بمقر الشركة بمنطقة وادي الربيع بضواحي طرابلس. كما يتوقع من كل متقدم أن يقدم نفسه ويتحدث عنها لمدة خمس دقائق باللغة الإنجليزية، وأن يصطحب معه السيرة الذاتية الخاصة به.

المقابلة الشخصية

في موعد الامتحان قام والدي بتوصيلي لمقر الشركة وتمنى لي التوفيق. وهناك التقيت بالناجحين من الامتحان الخطي من زملائي وآخرين من معهد نصر الدين القمي (يعرف حاليًا بكلية التقنية الهندسية جنزور).

بعد عرض مذهل من مدير التوظيف والموارد البشرية حول شركة شلمبرجير وإنجازاتها حول العالم – تحدث بسخرية حول حقول النفط العراقية وحرب الكويت ودور الأبار المائلة في ذلك – وتحدث بإسهاب عن فرص العمل الدولي والتعاون حول العالم، كان يجب علينا أن نتقدم ونتحدث عن أنفسنا.

قدم كل من الشباب نفسه حتى جاء دوري وكنت الأخير، فتحدثت للمدراء بالإنجليزية ونلت إعجابهم، وفي المشروع الجماعي لم نتمكن من صناعة حفارة نفط من الورق، والحقيقة أنني لم أفرض رأيي على الفريق لأن هذا يتنافى مع مفهوم العمل الجماعي، ولم يؤثر هذا كثيرًا على النتيجة، فجل ما أراد المدراء معرفته عني هو أين تعلمت الحديث بالإنجليزية، ما جعلني متأكدَا من النجاح.

توقيع العقد والعمل

بعد شهر اتصل بي مدير التوظيف قائلا لي أن أحضر لتوقيع العقد الخاص بي، فقد حصلت على الوظيفة – لم يفاجئني هذا الأمر كثيرًا-.

في الحقيقة لم أكن أرغب في وظيفة فني حقل متدرب لأن الوظيفة تعني الذهاب للحقول في الصحراء، وأنا أفضل العمل في المدينة قرب البيت. لكن ضغوطًا اجتماعية معينة فرضت عليّ أن أغير تخصصي وأعمل في المجال النفطي.

قمت بقراءة بنود العقد بشكل جيد قبل توقيعه، ثم تم توزيعنا على أقسام الشركة المختلفة، وكان من نصيبي قسم الحفر و القياسات (Drilling and measurements D&M)، وعند سؤالي لموظف الموارد البشرية عن كيفية التوزيع قال لي: “بالزهر”. وهي كلمة ليبية تعني بالحظ. وهذا اﻷمر دق ناقوس الخطر في رأسي!

وقيل لنا أننا سنأخذ دورات مكثفة قبل بدء العمل في نفس مقر الشركة بوادي الربيع.

قاعدة عجيبة

كان من ضمن القواعد التي في الشركة أنه من يضبط في سيارته دون حزام اﻷمان يطرد من العمل دون إنذار، ولو كان خمسة أشخاص في سيارة ونسي أحدهم إرتداء الحزام يطردون جميعًا. هذه القاعدة على غرابتها لم تضايقني لأنني أرتدي الحزام دائمًا ودون حاجة إلى التهديد والحمد لله.

دورات الاعداد

الدورة الأولى كانت حول التحرش الجنسي Sexual harassment ولم يفلح موظف الموارد البشرية في توصيل الفكرة الموضوعة في الشرائح أمامه، لكنني فهمت أن الشركة تولي أهمية كبيرة جدًا للاحترام بين الموظفين من الجنسين لدرجة أنها تمنع زواج الموظفين  -وهو المتوقع من شركة عالمية مثلها- . ثم دورة في الأمن المعلوماتي IT Security، ودورة في الأمن Safety .
ثم دورة في إدارة الإجهاد Fatigue  management وشدد علينا مدير السلامة بالشركة احترام النوبة الخاصة بنا، وكذلك أيام الدوام الخاصة بنا 2 : 1 وكانت تطبق بواقع ستة أسابيع عمل مقابل ثلاثة أسابيع إجازة.

مآدبة عشاء

بعد ختام الدورة الخاصة بنا تم دعوتنا لحفل عشاء في فندق كورنثيا باب البحر للتعرف بالمدراء ومناقشة الخطط المستقبلية. وبالفعل عدنا للبيت وذهبنا للفندق. وهناك جلسنا على مائدة واحدة مع المدراء، وتعرفت على المدير العام لقسمنا (في الواقع هي شركة تعمل تحت شلمبرجير) وهو مهندس من المنطقة الشرقية.

نظر إلينا بنفاذ صبر وقال: “مفيش شباب من بنغازي؟ تهميش حتى هنا في الشركات اﻷجنبية؟ جيبولنا كام شاب من بنغازي يخدمو!
ثم سأل عن حالتنا الاجتماعية وقال: “اللي فيكم مش متجوز ننصحه يفوت الجواز 5 – 6 سنوات، لأن الكارير متعك هنا وايف في الشغل ووايف في الحوش ما يمشيش حاله”.. وهذا المدير بالذات يدّعي أن لغته الإنجليزية سليمة..

صورة من مأبة العشاء، أنا يمين العمود اﻷوسط في الخلف

وعلى هامش العشاء تم تعريف كل موظف بمديره، ولأن مديري لم يحضر المآدبة قيل لي أن أذهب للشركة للقاءه يوم اﻷحد.

المدير..

ذهبت للقاء مديري المباشر، وكان شخصًا شديد الفظاظة، بمجرد أن مددت يدي لأصافحه بلقب الأستاذ خاطب المحيطين به: “حد يقوله معش يقولي أستاذ خير ما نفطر عليه صبح”. ثم سألني من أين تخرجت وكم عمري، ثم قال: “برا لفلان هذا ال Mentor متعك”. يقصد أن أتتلمذ على يديه.

جلست مع “المعلم” الخاص بي -والذي سأطلق عليه اسم التايلاندي لأسباب ستتضح لاحقًا- وقال لي: “أول حاجة تعرفها أن شلمبرجير هذه Big f**ing Sh*t” ولما كنت لازلت تحت تأثير الصدمة من اللفظ الفاحش الذي واجهني به، أعطاني كومة كتب قوامها 30 غيغابايت وطلب مني دراستها بينما يسافر لمدة أسبوعين.

صورة لنا أثناء نشاط روتيني، أنا إلى أقصى اليمين بالقبعة الحمراء

خصم شهر!

طلب منا تسليم الرقم الوطني ككل الجهات العامة والخاصة، ومنذ أول يوم تم الإعلان فيه عن ذلك قمت بسحب رقمي الوطني من المنظومة، وتوقيعه ثم إعادة إدخاله بالسكانر إلى الحاسوب وإرساله للشخص المكلف بجمع الأرقام، ثم وضعت الرقم في مغلف وأدخلته تحت باب مكتبه لأنه كان مقفلًا.

بعد بضعة أسابيع تلقيت بريدًا إلكترونيًا بالخط الأحمر من المدير العام (الشرقاوي) مفاده أنه تم خصم مرتب شهر مني وإحالتي للتحقيق، وذلك لفشلي في إرسال الرقم الوطني في الموعد.
رغم الصدمة التي تعرضت لها إلا أنني تفقدت صندوق البريد الصادر، وكنت متأكدَا من إرسال البريد في الموعد، ولأن مديري المباشر كان موجودًا فقد دخلت مكتبه دون إستذان..

-تعال بعدين مش فاضي
=خاصملي شهر
-وعلاش؟

=الرقم الوطني
-ماك راقد على ودنك مبعتاش
=قاعد عندي في الأوت بوكس
-به ابعته هي
قمت بإرسال نسخة من الرسالة لمديري المباشر

-به تم يا حبوب، توا نكلمه هي”

وصلت بعد ساعة رسالة من المدير العام بتجاهل الرسالة السابقة وعدم الحضور غدَا للتحقيق..

علمت لاحقًا أن الشخص المسؤول عن تجميع الأرقام كان في إجازة إلى إيطاليا، وشاهد مباراة لفريقه المفضل نابولي من المدرجات. ألم يكن بمقدوره فتح بريده الإلكتروني؟
كيف عرفت؟ كان يتباهى بذلك في قاعة الطعام بصوت عال..

“كان ريتوهم يا ولاد قريناتنا نابوليتانو تريبونا خيال القريناتا انا نعيط وما فاهم شي” أو شيء من هذا القبيل..

كيف كان وضعي الوظيفي؟

كان عقدي من الدرجة السابعة G7 لأنني خريج دبلوم عالي والمسمى الوظيفي Field specialist trainee، متدرب فني حفر، وحسب لوائح الشركة فإن الدرجة الثامنة هي درجة المتدرب وللترقية منها يجب خوض School أي دورة تدريبية، وعمل يكون فيه المتدرب المهندس الأساسي Lead. ويعرف هذا العمل باسم Breakout job

الذي يؤدي بي للدرجة الثامنة، ومنها للتاسعة لأصبح Field specialist بعد سنتين أو ثلاث إن كنت محظوظًا.
ما يعني أن الدرجة الثامنة هي تكرار للدرجة السابعة، مع نفس المسمى الوظيفي الضعيف..
بينما الشباب الذين تم تعيينهم من بنغازي من خريجي كلية الهندسة بتوصية المدير العام تم تعيينهم بالدرجة الثامنة، بمرتبات ومزايا أفضل، والدورة التدريبية التي أخذناها في المقر أرسلوا هم إلى ماليزيا لمدة عشرة أيام لدراستها، مع مصروف جيب يومي بالعملة الصعبة – عن أي تهميش يتحدث سيادة المدير؟ -.

كما أن هؤلاء المهندسين لهم الإمرة علينا ككل شخص أخر في المقر – حتى عمال اليد الذين لا عقود لهم -. وكانت صدمتنا كبيرة عندما عرفنا أن عقودنا محلية، وأن فرص العمل في الخارج غير موجودة لنا على الإطلاق، وأن الأمل الأخير بإكمال الدرجات والوصول للدرجة 12 لتأمين عمل مكتبي ليست متوفرة للفنيين، بل أنهم يعملون في الصحراء حتى التقاعد، يالها من تجليات مبهجة!!

وكان زملائي من المعهد يسخرون من قبعاتنا الصفراء المخصصة أساسا للزوار، وينعتون بعضهم بالمينونز، وهي شخصيات صغيرة صفراء ظهرت في أحد أفلام ديزني ثلاثية الأبعاد.

بداية مشجعة

بدأت في التعرف على الشركة والموظفين بها، بينما أدرس كومة الكتب التي تتزايد كلما التقيت بمهندس جديد من الفريق حتى ضاق بها الحاسوب المحمول الذي أعطته لي الشركة، ولاحظت أن المدير قل ما يزور موقع الشركة ويمضي أيامه في المكتب في ذات العماد. وأن في القسم الكثير من الحساسيات بين الموظفين. خاصة بين المتدينين “جماعة الجامع”، والآخرين الذين يمثلهم “التايلاندي”، وأنه إما أن تكون مع هؤلاء أو هؤلاء.

جرعة مكثفة من التايلاندي

عاد التايلاندي من السفرة والتي سرعان ما عرفت أنها كانت إلى تايلاند، كما تبرع هو بصور رحلته والأنشطة “الثقافية” التي مارسها هناك، والتي تشمل شرب الخمر، ورسم الأوشام المؤقتة، وجلسات التدليك ذات النهاية السعيدة، كما فهمت أنه مدمن إباحيات وينصح الكل بملء قرص صلب بالأفلام الإباحية قبل التوجه للحقل، مع كميات من الشوكولاتة، لماذا؟ لا أعرف حقيقة.

كما أن هذا الشخص تعلم الصنعة في مصر، ما منحه قاموس الشتائم المصري مع لهجة مصرية ثقيلة على لسانه.  و بملاحظتي الدقيقة له اكتشفت أنه لا يتقن أي شيء في العمل ولم يفدني قط ولم يجب على أي سؤال سألته له. وفهمت أنه يتسبب في كوارث في الحقول، وأن السبب الوحيد الذي يدفع المدير للاحتفاظ به هو أنه يقدم تقارير يومية حول العاملين وكذلك وجبة النميمة اليومية من الأخبار والملاحظات التي يجمعها بتسقط الأخبار تارة، و انتزاعها “بالقصقصة” تارة أخرى.
على العموم كان يدفع له ما يعادل 6000 دولار أمريكي شهريًا (عقده دولي) ليذهب لتايلند كل شهرين، وأكبر مشاكله في الحياة التفريق بين فتاة الليل والمتحول جنسيا على أضواء بانكوك الصاخبة.

لا تهمني خياراته الحياتية بقدر ما يهمني أنه جعلها جزءًا من العمل ومعيارًا للتقييمات – من منظوره على اﻷقل -.

السياسة ترك السياسة..

أحد المواقف التي لن أنساها كانت في ساعة الغداء، وكانت الشركة قد خصصت قاعة كبيرة لأكل الطعام، شبيهة بما تراه في أفلام المدارس والسجون الأمريكية – خاصة مع وجود 300 رجل يرتدون جميعًا الزي الأزرق أو البرتقالي الخاص بالعمل على الحفارات المائية –  يسيرون في طابور بينما يغرف الطباخ لهم الوجبات.

ليست هي القاعة لكنها شبيهة بها كثيرًا

وكنت ذاهبا للجلوس مع زملائي من المعهد وهنا ظهر مشرفي التايلاندي وجرني إلى طاولة المدير.
جلست في طرف الطاولة لتناول غدائي، لم أكن منتبها للحوار لأنني إما أن أكل أو أتحدث، هنا لكزني مشرفي التايلاندي لأن الكلام كما يبدو كان يدور حولي، ونقل هو كلام المدير إليَ لأنه لا يتحدث إليَ مباشرة إلا فيما ندر.

-في المرات القليلة التي كان المدير يزور فيها المقر كان يتحدث في الهاتف متصلا بالغائبين ويسب الدين لمحدثه، ومع كل مع من يتحدث معه، لدرجة أن البعض يسمي القسم بدين اﻷم، بدلا من الدي أند أم-.

ساد صمت غريب وعرفت أن شيئا ما يحدث، لكزني التايلاندي وكرر لي ما قال المدير متحدثًا عني.

“اللي طحلوب يمشي ي*يك من بحداي”، هذه كانت رسالة المدير.

التفت وكان جميع من على الطاولة ينظرون نحوي فقلت معترضًا: معمر ميت ليه سنتين، بجديات إنت ولا شن؟”.
كرر نفس العبارة فأجبته، ليس من المهم بما أجبته بقدر ما هو مهم أنني اضطررت للحديث عن مواقفي السياسية في العمل. ومضى اليوم على خير.. علمت لاحقًا أن مديري هذا قريب أحد أعضاء المؤتمر الوطني العام..

حاولت استرجاع الكلام الذي قيل في البداية، حول أنها شركة عالمية متعددة الجنسيات، لم يبدو أي شيء من هذا أمامي، نفس الهراء والمشاكل التي في كل قطاع، مع زيادة بسيطة في الرواتب لا تقارن بالمخاطرة والمجهود..

علاوة الصحراء

كانت علاوة الخطر في الصحراء 30 دينارًا في اليوم بالنسبة للدرجة السابعة، وعند اعتراضي واجهني المدير بالقول: “ماك واكل شارب بايت”. لا أعتقد أنه من المنطقي أن أتي بسيارتي للحقل كل يوم من طرابلس وأن أضع ساندوتشاتي في حقيبتي؟!  وللمقارنة الحفار الإيطالي يتقاضى علاوة خطر ألف دينار في اليوم..

إيجار المهندس للشركات كما فهمت لاحقًا– نعم، إيجار- هو ألف دينار في اليوم، تأخذ الشركة معظم المبلغ وتعطي المهندس نسبة حسب عقده، في حالتي أنا الشركة تتقاضى 970 دينارًا في اليوم من تعبي وجهدي..

ماهي طبيعة العمل؟

العمل اليومي كان بدنيًا، كنا نقوم بصيانة الأدوات التالفة التي تعود من الحقل ونجهز المعدات التي ستخرج، بانتظار رحلة إلى الصحراء، الأمر كان كتقاليد القبائل البدائية التي ترسل الشاب في مهمة يعود منها رجلًا يحق له الزواج أو ما شابه. هذا بالإضافة للكثير من الدراسة والإمتحانات التي ينبغي أن نوفق بينها وبين الوظيفة.

وكنت سأخرج مع التايلاندي في رحلة لم يكتب لها النجاح للأسف، ولحسن الحظ أنها لم تنجح، فأثناء التجهيز سألني ما أطول مدة قضيتها دون نوم، ثم بدأ في الضحك وقال لي “I’m gonna f**k your ass” عشر مرات على اﻷقل ونحن نجهز المعدات للخروج، ولمعرفتي به لم أستطع تحديد إذا ما كان كلامه مجازيًا أم فعليًا، كما تذكرت دورة التحرش الجنسي التي أخذناها في أول يوم عمل، ولم أدري إن كان يجب أن أبلغ أحدًا عن تحرشاته السخيفة أم أضحك على نكتة سمجة.

أين ملابس العمل؟

زي السلامة الخاص بي لم يكتمل، في أحد المرات تجرأت على طلب زي أخر لأبدل فيه قبل الذهاب في مهمة، فقد علمت أنه من حق كل موظف زي صيفي وزي شتوي، كما شجعني المهندس الذي سأخرج معه في مهمة (ونبه علي ألا أخبر مشرفي التايلاندي)، فقابلني المدير بالصراخ وأنه ليس من حقي زي أخر-وأنه كتر خيرنا أعطيناك قامجو-، وأنه يمكنني ارتداء سروال “أمريكاني” على الحفارة!! – يقصد سراويل الجينز بسلامته – ماذا لو اشتعلت النار في سروالي هذا؟ ثم من قال أنني أريد التضحية بدولاب ملابسي المحدود جدًا فوق حفارة قذرة في مكان ما في الصحراء؟ هذا بفرض أن مسؤول السلامة سيسمح لي بصعود الحفارة دون إرتدائي “قامجو” كامل.

كما أنه لم يكن لدي حذاء واستعرت حذاء كبيرًا من أحد الزملاء سبب لي التواء في كاحليّ الإثنين، وعند الحديث مع الطبيب المرافق قال لي أنه خبير صحة ونمط حياة، وأنه لدي تأمين صحي يمكنني استعماله!؟ وعند الطلب من المدير كان يرفض صرف حذاء لي رغم وجود أحذية جديدة في مكتبه، وبلغني لاحقًا أنه أعطى جميع المهندسين أحذية قبل أن يصرفها للمتدربين..

لشدة فرحي بالحذاء الذي جاء كالفرج بعد الشدة إلتقطت له صورة للذكرى!!

مهمة فاشلة

لاحقا عرفت أنه سيتم إرسالي في مهمة لصالح شركة أيني وأنهم أرسلوا فريقًا خاصًا من إيطاليا لمتابعة العمل عن كثب، وكانوا معنا في المطار في رحلة إلى أبو الطفل، لكنهم غادروا قبلنا واتضح لاحقًا أنهم عرفوا أن الرحلة ألغيت، وبقينا نحن ننتظر ساعتين دون أن يأتي أحد ليبلغنا أو يرد على أسئلتنا، ,وعندما تأكدنا من المرّحل الجوي أن الرحلة ألغيت بسبب عاصفة رملية في الحقل تفرق زملائي سريعًا ووجدت نفسي أمام المطار وحيدًا فأخذت تاكسي للبيت.

رن جرس الهاتف وأنا في الطريق وكان المدير، ودار بيننا الحوار التالي:

-“ألو
=أهلا (فلان)
-شن تدير هني؟ المفروض تلفونك خارج التغطية انت.
=الرحلة ما صارش منه..
-تي شن عرفك انت؟ ووين الحيوانات اللي معاك تليفوناتهم مسكرات، تي نهار دي* أمكم أحرف اليوم.
=الطليان روحو قبلنا بساعتين.
-متأكد.
=أيه.

-احلف
=والله الا روحو قبلنا وفي عاصفة في أبو الطفل الرحلات كلها تأجلت.
-باهي روح أرقد يا حبوب وبعدين ساهل.
=بالك تبي نجي للبيس؟
-روح أرقد!!!

مشكلة في التنسيق

الساعة الثانية عشر ليلا اتصل بي ليبلغني أن لدي رحلة الساعة السادسة صباحًا وأنه يجب أن أكون في المطار بعد أربع ساعات، فقلت له أنه ليس لدي من يوصلني،  وكان جوابه:”مدخلنيش”، قلت له أنني علمت “On such short notice” بمعنى أنني لم أعلم قبل المدة بموعد كاف. فرغى وأزبد وطلب جوابي “من الأخير” فقلت له أنني لن أذهب.

في اليوم التالي كنت على موعد مع التوبيخ الذي كان يتمحور حول كلمة On such short notice
انت عارف خدمتنا On call من اﻷول كيف تقولي شورت نوتس؟
بمعنى أن جدول العمل لا قيمة له ويمكن أن تطلب للعمل في أي لحظة، وأن هذا العذر ليس مقبولا حتى من مهندس كبير، وليس متدرب عديم القيمة، وكعقاب لي تم حرماني من الدورة التدريبية إلى أبوظبي والتي من المفترض أن تكون من متطلبات الترقية (في الحقيقة كانت دورتي اﻷساسية في سيبيريا في شهر فبراير، لكن لحسن الحظ تم رفض طلب المدير).

لم أغضب كثيرًا لهذا، لأنني لم أكن مستعدًا للدورة بشكل كاف، والسبب أن مديري لم يحمل متطلبات التعلم الإلكتروني الخاصة بي حتى شهرين من تاريخ التعيين، والتي بها الامتحانات الإلكترونية والتي ينبغي النجاح فيها بمتوسط 80% وإستكمالها تماما قبل الذهاب لل School.

صورة لي بزي العمل والسعادة تنضح من وجهي

على رمال متحركة

خلال كل هذه الأحداث كانت همسات تتعالى أن الشركة ستخرج من ليبيا بسبب الوضع الأمني المتردي، وبينما حاول المدراء جاهدين طمأنة الموظفين أن ليبيا موقع مهم للشركة وأنها لن تتخلى عنها بسهولة، كان من الجلي أن عكس ذلك هو الصحيح.

القشة التي قصمت ظهر البعير

من ضمن مهام المهندس ( أو العّبد في حالتي) عمل Calibration للأدوات، وهو المعايرة، أي التأكد من أنها تعمل على ما يرام، ولم يكن لدي أي اعتراض على ذلك سوى مشكلة بسيطة جدًا..

أحد أهم الاختبارات هو swap test، الفحص الدوري للمصدر المشع الذي يستعمل في التنقيب عن النفط، ويجب إجراؤه بشكل سنوي للتأكد من عدم تلويث مصدر أشعة غاما للبيئة المحيطة، ولك أن تتخيل من يقوم بهذه الوظيفة.

ذهبت مع المهندسين الكبار لتفقد المصدر ومسحه بعود تنظيف أذان وإرساله للولايات المتحدة للتأكد من أنه لم يتسرب.

ما المشكلة؟ أن المصدر يصدر إشعاعات أكثر بمئة ضعف من المعدل اﻷمن لجسم الإنسان، وأن موقع الشركة في ليبيا لا يحتوي على أي وسيلة وقاية من الأشعة، لا درع الرصاص ولا الملابس الواقية، أي أننا نتلقى جرعة إشعاعية مكثفة سنويًا دون حماية..

المهندسون يروون النكات حول العقم والإنجاب، ويلقون بجهاز كشف الأشعة بعيدًا لأن رقم الجرعة الظاهر على شاشة الجهاز يصيبهم بالخوف، وكذلك صوت صراخه الذي يتصاعد مع زيادة جرعة الإشعاع.

جهاز قياس اﻷشعة الذي يتشأم منه المهندسون

في ذلك اليوم شعرت بحرارة شديدة وغثيان وأصبت بحمى مفاجئة، لدرجة أن قيادة السيارة للبيت كانت إنجازًا غير مسبوق. وفي اليوم التالي كررنا نفس العملية المبهجة مع مصدر إشعاعي أخر.

كنا نقضي ساعتين أو ثلاث نفتح مخزن المصدر الصدئ، منها ساعة كاملة مع الإشعاع الذي يصل ل2000 وحدة، وكان من الممكن تسريع العمل لو صرف لنا أمين المخزن علبة DW40 ثمنها لا يتعدى 5 دنانير على أقصى تقدير لإزالة الصدأ، لكنه يرفض دائما اعطاء اﻷدوات.. نفس البخيل كان يتقمص شخصية  بابا نويل عند زيارة المدراء اﻷجانب للمقر ويقوم بتوزيع القفازات والنظارات الواقية دون حساب. ياله من نفاق مقيت.

هذه التجربة جعلتني أتوقف وأفكر مليًا في هذه الوظيفة، في كم الإساءات اللفظية  والنفسية والمعاملة السيئة – التي ليست جديدة على المواطن الليبي بأي حال – وللأخطار الإشعاعية التي لم تكن ببال والتي تهدد صحتي، ولن يتمكن التأمين الصحي المحدود جدًا من علاجها بأي حال.

طلب الاستقالة

لا أدري إن كانت جرعة أشعة غاما الزائدة في جسدي هي التي تتحدث أم أنه شيئ أخر، لكنني طلبت الاستقالة من الشركة.

رفض مديري المباشر ذلك، وأمام عنادي قرر منحي يوم أجازة للتفكير لكن رأيي لم يتغير (حتى مع صلاة الاستخارة)، وعندئذ أحالني للمدير العام (الشرقاوي) الذي طلب مني بصفة شخصية في مكتبه بذات العماد البقاء وقال لي بودية من ضايقك وكيف نستطيع المساعدة. وفي النهاية أبلغني بأن باب الشركة مفتوح لي في أي وقت، وبدأت في إجراءات مغادرة الشركة.

يوم غادرت شعرت أن حملًا ثقيلًا أزيح عن كاهلي مرة وللأبد، لن أعود لشلمبرجير مهما كانت المغريات، حتى في قسم أخر مع مدير مختلف، لا أظن أنه يمكنني العودة.

ما بعد المغادرة

شهور قليلة واندلعت حرب فجر ليبيا، وغادرت الشركة مسرّحة كل الموظفين غير الأساسيين ومنهم كل زملائي من مقابلة ذلك اليوم. لا أشعر بأي ندم على الاستقالة، على الأقل غادرت ورأسي مرفوع.

هل تعتقد أن خياري هذا مر دون عقاب؟ كل من حولي لامني بشدة على الاستقالة، و ذكروني أن شلمبرجير هي فرصة العمر وأن الجميع يتمنى فرصة للعمل فيها، وأنني رفست النعمة برجلي.

لكل هؤلاء، لا يهمني من انتقادكم شيء، هي حياتي وأنا حر فيها، وها هي شلمبرجير أمامكم كما رأيتها بعيني، هل من متطوع لشغل وظيفتي؟

لقد تم تحذيري من قبل بشأن الإنحرافات في القطاع النفطي، لكن التحذير جاء بخصوص المهندسين اﻷجانب، وليس من بني جلدتي الليبيين!

ختاما أريد أن أعطي درسًا لكل من يبحث عن وظيفة: سلامتك وكرامتك كإنسان هي أهم من الوظيفة. تذكر ذلك جيدًا عزيزي الباحث.

ما رأيك عزيزي القارئ في هذه التدوينة؟ أرجو ترك ملاحظاتك وتعليقاتك باﻷسفل. وشكرًا لك على القراءة.

« Older posts Newer posts »