Category: Libya (Page 19 of 28)

حصاد سنة 2017

كما فعلت في نهاية 2016، هذا كشف حساب السنة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة اليوم، أسلط فيه الضوء على أهم الأحداث والقرارات التي اتخذتها، لتوثيقها و تحديد بداية المسار الجديد الذي يليها.

هذه السنة كانت قاسية للغاية، ارتفعت فيها أسعار كل شيء عدة أضعاف مع استمرار أزمة السيولة النقدية وثبات المرتبات “المجمدة” على حالها دون زيادة.  بالإضافة إلى مشاكل الكهرباء المعتادة، والاشتباكات بين المجموعات المسلحة التي عطلت سير الحياة، وانهيار البنية التحتية، وغرق المدينة من أبسط هطول للأمطار. لذلك فإن محاولة الحياة والإنتاج وسط هذا العبث هو أمر صعب، صعب جدًا!!

صورة لمنطقة عمارات البحوث بتاجوراء وهي غارقة بماء اﻷمطار

قرارات العام 2016

نهاية العام الماضي اتخذت حزمة من القرارات التي جاهدت لتنفيذها، يالها من عادة سيئة ومخيبة للآمال! لقد حققت أقل تقدم ممكن على أهدافي هذه ما أصابني بالإحباط.

هل الخطأ في حجم الأهداف المطروحة أم في عدم متابعتها بشكل سليم؟

أشياء جيدة قد حدثت

رغم كل شيء لم تكن هذه السنة سيئة تماما، فقد حدثت معي الكثير من الأمور الجيدة والحمد لله (التي وثقت معظمها على هذه المدونة) فمثلًا:

إجراءات تقشفية

هذه التحفة الهندسية تكلف راتب سنة واحدة فقط!

تغييرات في الحمية

  • أصبحت أتناول كل شيء تطبخه والدتي (حفظها الله) وأنا الذي كنت متطلبًا جدًا في خيارات الأكل، السبب يرجع لغلاء الأسعار، فلم أعد أستطيع شراء وجبة سريعة في طريقي من المعهد إلى البيت عندما لا يناسبني الغداء، أو أن أتحمل رفاهية أن تطبخ لي والدتي كوبًا من الأرز مثلًا لأتناوله بدل الغداء الذي أعدته لسائر الأسرة.
  •        للأمانة بعض الوجبات التي كنت لا آكلها شهية جدًا وأنا نادم على عدم تناولها من قبل، لكن البعض الأخر لا يزال يسبب لي متاعب معوية، من قرأ تدوينة يوم الأربعاء قد يفهم أفضل ما أتحدث عنه..
وقبل أن تسأل، لا لم يزدد وزني بسبب ذلك!!

متابعات تويتر

قررت أنني لا أريد أن أستمر في رد متابعة الحسابات، بل قمت بإلغاء متابعة كل الحسابات التي تابعتها من قبل، ثم أعدت متابعة الحسابات التي أعرف أصحابها وأريد متابعتهم فعلًا. وهنا أمنح كامل الحرية لمن شاء أن يلغي متابعتي أن يفعل ذلك دون ملامة لأن التوجه الجديد سيكون النوعية لا الكمية.

لأنه وبعد التفكير في الأمر السبب الوحيد الذي دفعني للحصول على عدد متابعات كبير هو الترويج لمدونتي على موقع تويتر، وبما أن الرسائل التلقائية قد منعت ومتابعة الحسابات من عدمها لن تزيد من مشاهدات مدونتي، إذن الأفضل استغلال هذا الوقت والجهد (ورصيد الإنترنت) في شيء أخر مفيد!

أشياء ليست جيدة

من الطبيعي أن تحدث أمور سيئة، والحمد لله أن الأمور لم تسوء أكثر من ذلك، فعلى سبيل المثال:

    • تعرض والدي لحادثة ودخوله المستشفى لإجراء عملية جراحية كان تجربة قاسية وذات وقع صعب على نفوسنا جميعًا، الحمد لله على سلامته.
أرجو منكم أن تدعوا لأبي بظاهر الغيب بالشفاء.
اللهم إشفه شفاء لا يغادر سقمًا.

— Muaad Elsharif (@MuaadElsharif) February 23, 2017

قرارات عام 2017

قررت التوقف عن اتخاذ قرارات للعام الجديد، لأنني أعرف نفسي جيدًا وسئمت من الإحباطات وخيبات الآمال المستمرة، لذلك قراري الوحيد للعام الجديد هو  عدم اتخاذ أي قرارات للعام الجديد (ما رأيك في هذا التناقض؟) وهذا لا يمنعني من السعي الحثيث لتحقيق أهدافي وطموحاتي والوصول للمكان الذي أؤمن أنني أستحق أن أكون فيه في الحياة.

في الختام

من المحزن أن تكون أمنياتنا للعام الجديد هي عودة الأمور لما كانت عليه قبل خراب البلاد وتحول حالنا إلى هذا الحال المتردي!

أدعو الله أن يجعل يومنا خيرًا من أمسنا، وغدنا خيرًا من يومنا. وأن يكون العام الجديد عام خير وبركة على بلادنا ونهاية لأحزاننا ولملمة لجراحنا.

هل لديك أهداف تود تحقيقها هذا العام؟ هل حققت أي هدف حددته السنة الماضية؟ شاركني بذلك في قسم التعليقات في الأسفل.

A vicious cycle

Heads up: This post was written for venting purpose only, it doesn’t provide any solutions or suggest them even remotely, and yes; it’s pretty damn depressing.

For the German version of this post, click here.  

I’m still living in Libya – using the term living loosely as usual -, and it seems like all my attempts to get out are failing miserably, so for what’s it worth, I’m sticking here for a while.

Everyday life

It always amazes me, how these people can survive on scraps, now matter how long I ponder this I can’t seem to wrap my head around it, and whoever is ruling seems to be pushing them to the limits, see how long they can survive without security, water, electricity, money and infra structure.
But somehow they are surviving. a bit like the walking dead – if you ever watched that show.
Word breaks out of a clash somewhere, huge lines at gas stations, that crisis ends and soon after a cooking gas crisis begins.
One shortage after the other, one made up crisis after the other. War breaks without notice in this hell hole. It defies reason and defies purpose. Yet that is how the system -and I use the term loosely- works.
If it rained like it would normally do, the streets would drown and mobility becomes very limited, usually combined with long power outages.

Photo credit: Safepath Group

Attempting to apply logic to these people is a sin, life is turning into a paradox inside of a paradox covered in camouflage textile.

The economy

No matter how hard they strike at them, they don’t respond. No matter how high the prices rise or how long the queues get to obtain basic needs, they just get lined up to get whatever for however.
It gets colder, the electricity goes off for days, it gets hotter the electricity also gets off for days on end, for an economy with so much inflation going on I’m surprised that there is a lack of money in the banks!
What are they doing then? Mostly stabbing each other in the back and trying to make the most of a bad situation, raising the prices of goods and services to squeeze every penny possible from people.

Others aren’t as affected by the situation like most

While most Libyans struggle to make ends meet, a few are living the life! Pictures of fancy homes, cars, and lavishing weddings surface on-line (thanks to facebook for this) to brag fortane and social status. With everything being covered in Nuttela chocolate (it’s a big deal here for some reason!).
Libyans always liked to brag in weddings and show that they have as much money as the next guy, even if they have to borrow money in order to do so, but that kind of splurging money is a whole new level. Is it a case of the lipstick effect?

The political scene in Libya

For a country that has a pair of each: Government, parliament, central bank. Everything is going down hill (assuming that the more the merrier of course)

  • Corruption eating away what’s left of Libya’s wealth.
  • No security
  • Local currency is non existent, and for something so rare it’s worthless.
  • No functioning bodies of governance.
  • No power / fuel to operate basic daily needs.

Governments change without the slights audit, in fact most of the former ministers and prime ministers are enjoying a peaceful retirement abroad, and no one checked if they embezzled money before leaving office, as if anyone one cared!
Laws are passed without anyone noticing and the only rule is the lack of rules!
How will a government work right if it’s not audited by the parliament.
How will the parliament asses any thing if the members fail to meet each time?!

The vicious cycle

Sadly most of the problems that are happening now happened before, some happened years ago like the liquidity issue and the high price of the US dollar on the black market, others happen each year like the water ponds caused by rain fall, if these issues are periodical, than they can be easily predicted and solved if there was a government of sort, but no! These issues will continue to occur because that’s how Libya functions.

Finally

Will it be fixed someday? Does anyone have a magic wand to make it all better? Chances are no one does. But if everyone does his part and takes responsibility for their action, then things could improve.

As a young man who grew up and lived all of his life in Libya, I don’t think that it will be fixed in my life time, and I’m not too excited about starting a family in these conditions and hope that my children would have it better.

I really hope that the people of this country wake up, and realize that what are they doing is drowning all of us, because we are on the same boat.

ليبيا بدون نقود – الواقع والحلول

مر عام ونصف منذ دونت عن أزمة السيولة في ليبيا، وحتى الآن فإن بوادر الحل لا تزال بعيدة المنال. هذه التدوينة لا تحاول حل لغز اختفاء 30 مليار دينار من المصارف (حسب بيانات المصرف المركزي)، ولا الإجراءات المصرفية التعسفية وتعسر السحب من المصارف،لأن هذا الأمر بالذات عجز عنه جهابذة الاقتصاد في ليبيا! لكنها تركز على الحلول البديلة ونظرة مستقبلية.

الدول الأوروبية والنقود الورقية

تفكر عدد من الدول الأوروبية في التخلي عن النقود بالكامل أولها السويد، لأن مواطنيها يعتمدون على طرق الدفع الإلكترونية بشكل كامل تقريبًا، ولتوفير نفقات طباعة النقود.

الجانب الأخر من العالم

دولة صغيرة اسمها أرض الصومال (ليست دولة الصومال الشقيقة) لديها أزمة اقتصادية خانقة، ليست لأن العملة غير متوفرة، بل إن الدولة تعاني من تضخم شديد، الدولار الأمريكي الواحد يساوي 9000 شلن، لدرجة إن تناثرت العملة التي تنقل على عربات في الشارع، لن يبالي أحد بالتقاطها!!

هذه الدولة لديها طريقة أخرى في دفع مستحقاتها وهي رصيد الهاتف النقال، فعدد كبير من مواطني هذه الدولة يحمل الهاتف النقال ويستعمله لدفع ثمن مشترياته، وهو الأمر الذي يغضب تجار العملة كثيرَا!

هل يمكن تطبيق هذا الحل في ليبيا؟

شركة المدار بدأت في تطبيق شيء مشابه، لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت لينتشر ويعم.

فنزويلا

فنزويلا أيضا تعاني من التضخم و انخفاض سعر العملة المحلية، وهي نقطة نعاني منها هنا في ليبيا، لكن الوضع في ليبيا لا يزال أفضل حتى الآن والحمد لله (لكنه مرشح لأن يسوء بتلك الطريقة).

خدمة البطاقات المصرفية

كنت قد دونت عنها في التدوينة الأولى، وهي تمكنك من شراء الخدمات والسلع باستخدام البطاقة (بجانب غرضها الأساسي وهو سحب المال من آلات السحب المنتشرة هنا وهناك)، ومنذ ذلك الوقت دخلت هذه الخدمة حيز التنفيذ وساهمت بحل جزء من المشكلة الكبيرة التي تتمثل في وجود أرصدة في المصارف لكن بدون نقود لسحبها.

الجانب السلبي لخدمة البطاقات

الكثير من التجار يستغل هذه الخدمة ويرفع أسعار الخدمات (المرتفعة أصلا) بحجة أنها تسعيرة البطاقة، وهو ما يعد من الربا – حتى وإن كان بعض أهل العلم قد أباحه للمشتري للضرورة -، وذلك بسبب غياب القانون الرادع على مثل هؤلاء التجار. لذلك يمضي المواطن يومه بحثًا عن محلات وسلع بسعر “الكاش” بعد أن فقد الأمل في الحصول عليه من المصارف مباشرة.

ما يراه التاجر

بالنظر للمسألة من وجهة نظر التاجر، فإن المصارف أخلفت وعودها بسحب القيمة من حساب التجار بعد وصولها إلى مبلغ معين، وأيضا بسبب غياب القانون فإن المال يدور خارج المصارف، وكذلك بالرشوة يمكنك سحب ما تشاء (أن تأخذ الربا لتدفعه رشوة للمصرف، كم هذا رائع).

خطوات خجولة

لا يزال التعامل بالبطاقة يشوبه الحذر والخجل من جانب المشتري، كأن البائع تفضل عليك و”تجمل” عليك من مال أبيه، بينما العالم بأسره يتعامل بهذه البطاقات منذ عشرات السنين، الأمر الذي يحتاج لخطوات جذرية لحل المشكلة.

 الاهتمام بالبنى التحتية

وأعني بذلك منظومات المصارف والإنترنت والكهرباء، فهي عماد خدمة البطاقات المصرفية والدفع بالشيكات، ليس من المعقول أن مقاصة من مصرف لأخر داخل البلاد تستغرق عشرين يومًا وأكثر ! إن لم يكن لديكم مال فحسنوا خدماتكم الأخرى على الأقل.

توفير مال في المصارف

أنا متأكد من أنه لو طبعت عملة جديدة، ستظهر شاحنات محملة بالعملة التي ستتغير إلى المصارف، بل وسيدفعون الرشاوي لتغييرها بعد نفاد أجل التغيير (لأن هذه الأمور تحدث دائما في ليبيا) وهذا لن يحدث حتى تعود الثقة في القطاع المصرفي، وغيابها هو سبب سحب اﻷموال خارجها.

العقلية

وهذه المسألة هي الأهم والأصعب، لأن العقلية التي تريد التعامل بالأموال السائلة وترفض وسائل الدفع الأخرى، وتستبيح الربا لاستغلال المواطن والاستيلاء على أكبر قدر من أمواله، هي ذات العقلية التي أعتقد أنها ستؤدي بنا للانقراض عاجلا غير أجل!!

حتى تنفرج هذه الأزمة التي طالت المقام حتى أقامت..

 

تجربتي في مركز القناة للخدمات الاعلامية والتدريب كطالب ومدرب

بعد مغادرة شركة شلمبرجير قدمت مباشرة على وظيفة معيد بعدد من الكليات، لأنه من الواضح أن هذه كانت رغبة أبي من البداية والتي كان يدفع نحوها بقوة. كما أنني وصلت إلى خلاصة أنني أريد أن أصبح أستاذًا جامعيًا و أن أتحصل على فرصة في الدراسة بالخارج.

وبالفعل وزعت ملفي على عدد من الكليات بانتظار الموافقة والقبول. كما تركت عيني مفتوحتين على الدورات التي يمكنني التسجيل فيها للرفع من كفاءتي، وعند البحث واجهني إعلان متكرر لدورات مجانية بالقرب من ذات العماد. بدا العنوان محيرًا ومحتواه أشد غرابة، دورات مجانية مع دفع رسوم الكرسي؟ خاصة أنه متكرر كثيرًا وبشكل يدفع للشك.

الزيارة

اتصلت بالرقم ليرد علي صوت أنثوي لاه، ولم تعر اتصالي اهتماما كبيرا. لذلك قررت زيارة المكان بنفسي للتأكد.

وبعد عدة مكالمات وصلت لمقر المركز وهو شقة بإحدى عمارات شارع المعري. وحجزت في دورة السكرتاريا و والإدارة والكمبيوتر ومهارة الحوار – أو شيء من هذا القبيل – وأخذت أخي حازم معي ليستفيد ويرفع من كفاءته هو الأخر، لأنه يشغل وظيفة حكومية وأي دورة ستساعده.

شقيقى حازم على اليسار وإلى يساره صاحب المركز وأنا في الوسط وجواري نجيب (أحد الزملاء)

نجحت في الدورة بشكل منقطع النظير وحصلت على درجة ممتاز – لأنه حسب صاحب المركز لا توجد درجة أعلى لمنحها – وسألني ماذا أعمل فقلت له أنني تركت شلمبرجير ويهمني الاحترام فوق كل شيء، فعرض علي التدريب لديه ويبدو أنني لم أسمع عرضه، لكنني قررت لاحقًا أنني أريد أن أعمل في التدريب واتصلت به فوافق من فوره.

صورة لي وأنا أستلم الشهادة

حرب فجر ليبيا أوقفت كل النشاط بالمركز، وكذلك هو لا يعمل خلال الشهر الفضيل، لذلك بدأنا العمل فور انتهاء العمليات القتالية بطرابلس.

بداية التدريب

أول مجموعة كلفت بتدريبها على برامج أوفيس كان فيها طالبتان من أقارب زوجته ، لأنه طلب مني أن أتصرف باحترام زائد، وعندما قلت له أنني أحترم الجميع طلب أكثر من ذلك..

على كل مرت المجموعة على خير وجاءت والدتهم في حفل تخرج الدفعة وكانت سعيدة وممتنة لمجهوداتي، وكان يومًا لطيفًا.

لاحظت أن هذا الرجل اللطيف المبتسم الذي يحدث الناس عن التنمية البشرية ليس كما يبدو عليه، وهو مستعد للكذب وأن يقسم حانتَا من أجل دينار إضافي، وطلباته لا تنتهي التي يطلبها بصفة ودية وهي لا تدخل في نطاق العمل الخاص بي، كإصلاح أجهزة الحاسوب التالفة مثلا وشراء بعض طلبات المركز.

فقد طلب مني حلًا لمشكلة الكهرباء بالمركز لذلك أحضرت له جهاز انفيرتر ليولد الكهرباء من بطارية سيارة لجهاز الكمبيوتر وجهاز العرض، ولأنه بخيل وحسب تعبيره (حني جيران يهود لسنة 1967) أصر على تقسيط ثمن الجهاز الذي دفعت ثمنه كاملًا لصاحبه، ثم أفسده ورفض دفع باقي ثمنه بالتقسيط، لا أدري ما مشكلة هذا الشخص بالضبط.

أبلة أيتيكيت

من ضمن الناس غريبة الأطوار التي يتعاون معها المركز هي مدربة ايتيكت تعمل مع الأمم المتحدة حسب ما تقول، وهي وللمفارقة تفتقر لأصول الإيتيكيت، فهي تشير بإصبع واحد للأشخاص وتتصرف بطريقة فجة وسوقية لا تليق بسيدة ولا حتى بسائق إيفيكو يعمل على خط الهضبة الشرقية، وطلب منا صاحب المركز أن نأخذ دورتها بشكل إجباري على أن تخصم من مستحقاتنا الشهرية، فرفضت لأن هذا يعني بطريقة مبطنة أننا لا نحسن التصرف ونحتاج إلى دورة خاصة.

باب النجار مخلوع؟

في حفل تخرج دورة الإيتيكيت كنت جالسا في مطبخ الشقة أعد لمحاضرتي وكتابي على الطاولة، فقذفت بحقيبتها على الكتاب مغطية إياه وهي تتحدث على الهاتف، ثم دفعت بيدها تهزها في وجهي تطلب قلمًا، فأعطيتها ورقة وقلما بكلتا يدي “على طريقة الايتيكيت اليابانية” وقلت لمن حولي بسخرية “هكي قروكم في الإيتكيت“. جاءت بعد أن أتمت مكالمتها الهاتفية تتعذر لأنها مشغولة، لكن الحكم قد صدر. وفاقد الشيء لا يعطيه!!

ياي!!

أحد غرباء الأطوار الذين أخذوا دورة الإيتيكيت شاب يتحدث بطريقة متكسرة وفيها الكثير من الدلال، أتى بحقيبة وردية فيها كل أواني المائدة لعمل الإيتكيت بما فيها برميل الشامبانيا، واشتكى لمدير المركز من نظراتي المستغربة تجاه عرض السيرك الخاص به، وكل ما كان في بالي أن لدي محاضرة لأعطيها مكان سوق المنزلية هذا.

مائدة الطعام الكاملة كما تبدو لعشاق الايتيكيت

لديه الآن برنامج تلفزيوني خاص به، علمت ذلك من أحد المقاهي حيث كان التلفزيون مفتوحًا عليه، وعلق صاحب المقهى بالقول:

“تفو عليك وعلي عطاك برنامج؟!!”

المظاهر قد تكون خداعة أحيانًا

سارت الأمور عادية لبضع أشهر، كنت أتقاسم تعليم الكمبيوتر مع أستاذ ملتحي غريب الأطوار، كان يعمل سائق سيارة إسعاف يلتقط بها الجثث من الجبهات ويلتذ بمشاهدة تشريحها، ويدعوني لذلك في كل مناسبة. كما أنه ورغم مظهره المتشدد متبسط في الحديث مع الموظفات والطالبات بأسماء الدلع ويتحدث معهم بكل أريحية ويقهقه على النكات ويصفق يديه معهن (خمسطاشات) ويناديهن بألقاب الدلع مثل: منو وهنو وحنو!!

في مرة انتقد “الشيخ” زي إحدى الموظفات، فنادانا المدير معًا ليتحدث إلينا ووجه كلامه إلي بالكامل، وأنا لم أفهم شيئا ونظرت إليها مستفهما فأشارت للشيخ أبو لحية ذاك، وسألته لماذا يوجه كلامه إلي فقال أنه لا يريد توبيخه مباشرة وأنه يوبخ شخصًا غير المخطئ ليتعلم هو والآخرون..

بداية المشاكل

بدأت المشكلة عندما انصرف “الشيخ” لحاله وترك لي الصفوف الصباحية والمسائية، ما يعني أن دنانيره السبع في الساعة ستصب في جيبي أنا، وبالفعل كنت أقضي اليوم بالكامل في المركز أعلم الصفوف وأحاول قضاء الوقت الباقي وأنا أقرأ أو أشاهد شيئا على الهاتف.

كانت هنالك حجرة فارغة بعد أن غادر المستأجر القديم الذي كان يتقاسم الشقة مع مركز الدورات، كنت أجلس فيها وحيدًا لأقرأ بين المحاضرات وكنت أرفض استقبال الطلبة فيها، بل أخرج لهم في البهو ثم أعود إليها وحيدًا. وكان الفاصل بين المحاضرتين كبيرًا، من الحادية عشر حتى الخامسة مساء، والعودة للبيت ثم للمركز في زحام طرابلس العاصمة أثبتت أنها فكرة سيئة جدًا.

جاءتني السكرتيرة وقالت لي أن المدير منع أي أحد من دخول الحجرة وطلب إقفالها، فقلت لها أنه يجب أن يخبرني ذلك بنفسي لأنه هو من قال لي أنني يمكني استعمال الحجرة للجلوس، ولكنها أصرت على إخراجي منها وإقفالها. لذا انتظرت حتى مجيئه وسألته فقال أنه لم يقل لها شيئًا كذلك، ولكن هنالك أمانات في الغرفة يخاف عليها. لقد وصلت الرسالة سيادتك ولا داعي للأساليب الملتوية.

الدفعة المحظوظة

 كان في فصل الصباح ثلاث طالبات واحدة منهم انتقلت للصف المسائي وتركت واحدة منهم الدراسة، وبقيت واحدة فقط اضطررت لتعليمها منفردة، ولما أتى وقت الحساب قال أنه لن يدفع لي لأن فصلًا فيه طالبة واحدة لم يكن ليفتح من الأساس، وقام بخصم المبلغ من السكرتيرة التي أعدت الجدول. وقال لها أن المال المخصوم منها سيدفع للأستاذ وهو أنا باعتبار أنه يعطي دورة الإدارة والسكرتاريا بنفسه. رفضت أخذ المال وقلت له بالحرف الواحد: “أنا الحاجة اللي تطيح مني ما نطبسش نقيمها.”

لذلك قامت الفتاة بمقاطعتي قبل أن تترك المركز (صححت لها ذلك المفهوم لاحقًا) ولأنني لم أخذ المال فقد سقط في جيبه هو، طبعًا.  وكان فصل المساء ممتلئا لكنه لم يعطيني العلاوة التي اتفقنا عليها من البداية، وهذا أشعرني بالإحباط الشديد، فأنا كنت محتاجًا للمال لصيانة السيارة، ولم أكن أريد أن أسحب من حسابي في المصرف للصرف منه (هذا كله حدث قبل أزمة السيولة الخانقة).

كبش الفداء

السكرتيرة بالمركز كانت طالبة جامعية، والدها توفى بالسرطان وترك لهم دينًا ثقيلًا، وبدل أن يساعدها على تحمل تكاليف الحياة كان يحملها مالا تطيق، فكانت تأتي قبله وتفتح الباب و تنظف المركز وتستقبل الضيوف وتعد القهوة والشاي لهم وتغسل الصحون بنفسها. كما أنه يفرض عليها أن تدخل لموقع سوق ليبيا المفتوح بعدة حسابات وأن تغرق الموقع بالاعلانات يوميًا ليضمن لنفسه أكبر حصة من المتدربين.

وعندما غادرت ألف لي قصة حزينة مفادها انه سترها أمام أهلها بينما كانت تذهب لتلهو مع صديقاتها وكذبت عليهم أنها تشتغل لديه، وأنها توسلت له لكي يخفي عن إخوتها لهوها – علما بأنها اتصلت بي وقالت لي أنها عثرت على عمل جديد قبل ذلك بفترة.. أي أن سيادة مدرب التنمية المحترم الذي كان يعلم الناس اﻷخلاق كان يطعن في شرف موظفته السابقة.. ياله من رجل نبيل.

دورات الإعلام

من ضمن نشاطات المركز العديدة والمتشعبة والمثيرة للشك هي الدورات الإعلامية، وإن كنت فتحت الراديو وسمعت صوتًا مثيرًا للغثيان، فأغلب الظن أنه تتلمذ على يدي ذلك السيد الفاضل. ولكي يتفرغ لتدريس بعض المجموعات كان يسند المهام “لأستاذ” أخر من نفس منطقته، مطلّق وهذه أول معلومة تعرفها عنه، وهو مهووس بالمدامات، ويتحدث عنهن طول الوقت. بل أنه أعطى رقمه لإحدى الطالبات – مدام – وطلب منها الاتصال في أي وقت نهارًا أو ليلًا أثناء محاضرة، ما دفع بصاحب المركز لشد ما تبقى من شعره والصراخ – في وجهي أنا كعادته -، لكنني أوقفته عند حده بصرامة هذه المرة. وأكد لي مجددًا أن القاعدة الأولى للمركز هي:

“اللي بيصيع يصيع برا المركز، صياعة مع الطالبات لا.”

إحدى طالبات دورة الاعلام – والتي خصص لها دورة لوحدها – كانت تتشبه بتايلور سويفت، وهي مغنية أمريكية طويلة القامة شقراء، كان يصطحبها والدها إلى المركز ويجلس في مكانه منتظرًا حتى تنتهي، وهي مغرورة حجم غرورها أكبر من كعب حذائها (العالي جدًا).

لماذا ذكرتها؟ لأنه لكي يتفرغ لتدريس تايلور سويفت هذه عهد لجاره عاشق المدامات بالتدريس..

العودة بعد انقطاع

عدت للعمل بعد اصلاح السيارة نسبيًا وأنا أشعر بسلبية تجاه الرجل الذي أكل حقي، وهو لاحظ تغير معاملتي له، لم أصبح سيئًا معه، فقط لست وديًا كما كنت، وأشاع في المركز أنني سأغادر ليجرب مدى تأثير الإشاعة. نعم هو ذلك النوع من الناس.

لقد طلب من حارس العمارة عرض وظيفة وهمية علي ليرى إن كنت سأقتنع، ذلك الشاب بسيط العقل قال لي منذ أشهر أن الفتاة التي يرغب في الزواج بها ستأتي لخوض دورة تدريبية وأنني يجب أن أدرسها جيدَا، ثم إدعى أن صاحبة مركز في قرجي بحاجة لمدربين وأنها تدفع مالًا كثيرًا (وللمصادفة فان اسمها يطابق اسم فتاة أحلامه) لا بد أن المسكين ظن أن ذاكرتي كذاكرة السمك الذهبي.

السمك الذهبي مشهور بذاكرته القصيرة

بل إن صاحب المركز وصل لدرجة من الخبث والتأمر أنه يجتمع بالطالبات منفردات ويطلب منهن فتح كلام معي لاختبار إن كنت أنساق في الحديث معهن أم لا؟! وعرفت هذا منهن مباشرة – لسن عميلات مخابرات جيدات بصراحة!– لا أدري مالذي يدور في ذهن هذا الرجل حقيقة!

ربما لا يعرف أنني شخص محترف لا يخلط العلاقات بالعمل، هذه مشكلته حقيقة.

مساعدون بلا كفاءة

كنت أعطي المحاضرة الصباحية لكن مفتاح المركز لم يكن لدي – رغم أنني من اشترى القفل والسلسلة كجزء من الخدمات اﻷخوية التي كان يطلبها – وكنت أنتظر تحت العمارة حتى تفتح السكرتيرة الباب، وأستطيع أن أقول بكل حرية أن سكان العمارة لم يرحبوا بفكرة مركز دورات مختلط، بل أن بعضهم كان يتصرف معنا كالغزاة. بل إن بعض الطالبات كن يرفضن القدوم بمجرد فهم مكان المركز وأنه عبارة عن شقة داخل عمارة سكنية، هل الأمر بذلك السوء حقيقة؟

كنت أنتظر أي من كانت تعمل لديه هذا الأسبوع ضمن برنامج “الاحتكاك الوظيفي” لكي تأتي وتفتح الباب، واضطررت للصراخ على إحداهن في إحدى المرات.

حيث حضرت متأخرة ساعة كاملة عن موعد المحاضرة وأنا والطلبة تحت العمارة ننتظر، ولاحظت أن يديها حتى المرفقين مخضبتان بالحناء وشعرها مجدول بضفائر صفراء صناعية وصوتها مبحوح ما دل أنها كانت في عرس الخميس (المحاضرة كانت يوم السبت)، صعدت خلفها وبدا عليها الضيق من توبيخي لها وقالت أن لديها “ظروف”:

-وين يا أبلة فلانة، ساعة تأخير.

=ظروف يا ستاد.

-يديك محنيات وصوتك هارب، ماشية تدربكي في عرس مش ظروف.

=لا كيف تقول هكي يا ستاااد.

-مدخليش في شن تديري في حوشكم أنا عندي محاضرة التسعة الباب يكون مفتوح والطلبة في القاعة، مش شوري، بري نادي الطلبة صبح; مش تعيطي عليهم من الروشن، انزلي لوطا ناديهم.

فقامت هذه الأخيرة بشكواي إلى مدير المركز، الذي أنبني على كلامي فقلت له:

انت مش مقايللهم استاذ معاذ زي خوي وكلمته تمشي عالكل؟ كيف تلوم عليا لما مخلية بناويت الناس في الشارع؟ طالبات دافعات حق الدورة المفروض من التسعة وهما يقرو.

الدورة الفاصلة

المرة الثانية قال لي صاحب المركز أنه سيقوم بعمل دورة تدريبية لسيدات جمعية خيرية (من منطقته كذلك) على استعمال الإنترنت ووسائل التواصل، وأنه من طيبة قلبه تكفل بدفع مستحقات مدرب الدورة وأنه منحها لهم مجانًا.

وبالفعل أعطيت السيدات دورة (منهم الطالبة وجه النحس التي درستها منفردة)، الطريف في الأمر أنهن لم يكن متفرغات وأنه كان عليّ أن أعطيهم دورة متفرقة، وفي كل مرة يتم التأجيل لسبب أو لأخر. أنا أجلت ليومين بسبب امتحان القبول في الكلية الذي أقيم على يومين منفصلين.

من ضمن الكلام الفارغ الذي قاله لي بعد أن ذهبت لامتحان القبول في الكلية أنني عثرت على مكان أفضل، وأنني مثل البقية “نجري ورا الفلوس” وأنني بدون مبادئ وكلام عجيب كهذا. فذكرته أنني أعمل هنا بانتظار التعيين، وليس طموحي إعطاء دورات الكمبيوتر وتناول الحلويات كل يوم خميس في يوم التخرج اﻷسبوعي. وعلى كل يبدو أنه لم يطلع على مرتبات المعيدين السخيفة، عفوا السخية..

في المرة الثالثة أتيت حسب الموعد الذي حدده لي وكان يسد علي باب المركز ليمنعني من الدخول، وقال لي أنني أخطأت السمع وأنني مثل باقي الشباب لا أركز، لكنني عندما حاصرته بأقواله أدخلني وقال أنه بدون سكرتاريا المركز ينهار وأنه بحاجة لمساعدة جديدة، ووعدني أن الدورة ستكون في موعدها. كما أكد أن السيدات دفعن مبالغ رمزية لتعلم دخول الانترنت (في البداية كانت دورة مجانية من كرمه وحسن أخلاقه).

صورة لأيفيكو لمن لا يعرفه

جئت في إفيكيو للمركز لأن سيارتي كانت في الورشة لأعرف منه أنهن أجلن الدورة مرة ثالثة، فقلت له أنني انتهيت منهن ولن أدرسهن مرة أخرى، وأن احترام الموعد قيمة مهمة. وتوسل إليّ أن أحضر في الغد لتدريسهن. فرفضت وخرجت.

في اليوم التالي وجدت أنه غير موعد محاضرتي لتلتصق بمحاضرة نادي الأرامل ذاك، وعند خروجي من المركز سد علي باب الخروج هو (وعاشق المدامات) وقال لي أنه إن أردت ألا أدرسهن فعلي قول ذلك لهن  مباشرة– كان لديه 24 ساعة لإعلامهن بأنني أرفض تدريسهن وأن يحجز لهن موعدًا أخر – فخرجت رغم أنه كان يسد علي الباب، وأخر ما قاله لي كان: “هذا قدر المركز عندك؟” فقلت له أنها ليست مشكلتي..

لاحقًا عدت لاستلام باقي مستحقاتي وشهادة خبرة بالساعات التدريبية، ولم أعد إليه منذ ذلك الحين..

أعتقد أنني أعطيته أهم درس يمكنه تعلمه: احترام الكلمة، واحترام الموعد.

حسنًا، لم تكن هذه التجربة ايجابية تمامًا، ولكنني تعلمت الكثير خلال هذه اﻷشهر التي عملت فيها في مركز القناة الدورات والخدمات الإعلامية والتدريب..

هل سبق لك التعامل مع شخص مثل هذا، كيف كانت تجربتك وماهي الدروس التي خرجت بها؟ شاركني في قسم التعليقات لتعم الفائدة.

« Older posts Newer posts »