Category: سيولة (Page 2 of 5)

حصاد العام 2018

أواصل هذا التقليد للسنة الرابعة على التوالي، بعد سرد حصاد العام 2015 والعام 2016 والعام 2017، ها هو حصاد العام 2018..
سنة أخرى تلملم متاعها وتنسل عبر الباب، حاملة معها الذكريات الحلوة والمرة في آن. هذه السنة لم تكن سهلة علي كشخص، لقد أنهكتي واستنزفتني، لكنني لا زلت هنا لأروي قصتي!

ميم ساخر من كرتون سبونج بوب حول شخص يمضي رغم مصاعب الحياة

تنويه

بعض اﻷحداث لن أذكرها بنصها، والبعض اﻵخر يسبق أو يلحق حسب السرد القصصي وسلاسة تحرك النص، لا حسب حدوث الحدث تاريخيا..

 

 

على الصعيد المهني واﻷكاديمي

بداية السنة كنت لا أزال أشتغل معيدا بالمعهد العالي ووصلت لمفترق طرق، بين السير في طريق مسدود وأخذ قرار جريء بترك العمل والبحث عن فرص جديدة، وهذا ما فعلته.

قررت أنني أريد أستكمال دراستي العليا بالخارج لتعذر فعل ذلك داخليا، وبدأت بالفعل في الخطوات المؤدية لذلك، أخذت امتحان الايلتس وراسلت عددا لا بأس به من الجامعات في الخارج، لكن تغير سعر صرف الدولار حال بيني وبين الدراسة..

أول تجربة شراء من الإنترنت وشحن عبر البحار، كانت تغييرا جيدا وفرصة للتعلم والتطور، دونتها بالكامل ليستفيد الجميع. 

التعليم الحر

هذه السنة كانت أول تجربة لي في التعليم الحر بشكل عام، وتعليم الصغار بشكل خاص، وهي تجربة لا زلت أخوضها وأتلمس طريقي عبرها، وإن كانت مرضية جدا في بعض جوانبها. الكثير من الطلاب الصغار لطيف جدا ويحب المدرسة ومدرسيه والتعامل مع هؤلاء اﻷبرياء يدفئ القلب حقًا! صحيح أن هذه لم تكن الخطة، لكنها أفضل من لا شيء!

إدارة مالية شخصية

تعودت على تسجيل وتدوين المصاريف أولا بأول، وهي مهارة ساعدتني على فهم حجم إنفاقي وتقنينه، وإيجاد طرق مبدعة للتوفير كموضوع الحلاقة مثلا.

غلاء المعيشة يفرض اتخاذ قرارات صعبة وسياسة إنفاق مختلفة للتمكن من التماشي مع الوضع الراهن.

أحداث عائلية ومعيشية

حدث سعيد هو عقد قران شقيقتي، أتمنى لها كل السعادة والهناء، وأفتقدها كثيرا..

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. تم عقد قران شقيقتي وأسأل الله أن يرزقها الذرية الصالحة.

— Muaad Elsharif (@MuaadElsharif) May 16, 2018

حدث حزين وفاة جدتي بعد صراع طويل وأليم مع المرض، أسأل الله أن يخفف من ذنوبها بهذا الابتلاء وأن يدخلها فسيح جناته، اللهم أمين.

 

انتقلت إلى رحمة الله مساء الأربعاء جدتي الحاجة عائشة. اللهم اغفر لها وارحمها وأسكنها فسيح جناتك يا رب العالمين.

— Muaad Elsharif (@MuaadElsharif) August 15, 2018

حرب قذرة شهدتها العاصمة بعد ذلك مباشرة، أثرت على مجريات الحياة كلها. خصصت لهذه الحرب الطاحنة تدوينة كاملة بعنوان كوابيس طرابلس..

أزمات مزمنة

انفرجت أزمة السيولة نسبيا وصار بالإمكان سحب بعض المال أحيانا، كما تساهل الكثير من التجار في قبول الشيكات والبطاقات بنفس سعر ”الكاش”. لكنني لن أكرر نفس الخطأ ويجب أن أجتهد في تحصيل المال ولا أبقى تحت رحمة النظام المصرفي المتهالك.

تعبت صحتي كثيرا وزرت اﻷطباء عدة مرات، ما فتح عيني على اتساعهما على مدى تهاوي النظام الصحي في ليبيا، فعلا الصحة تاج على رؤوس اﻷصحاء لا يراه سوى المرضى. الحمد لله.

نبي دكتور عظام كويس يا جماعة الخير، نعرض عليه التحاليل والصور لأن عاينت واللي مشيتله خوفني. نبي رأي ثاني وبارك الله فيكم. #ريتويت #شير_في_الخير

— Muaad Elsharif (@MuaadElsharif) November 25, 2018

 

صورة من إحدى حجرات الإنتظار بمستشفى طرابلس التعليمي (الطبي سابقًا)
صورة من إحدى حجرات الانتظار بمستشفى طرابلس التعليمي (الطبي سابقًا)

إنجازات شخصية

قرأت 118 كتابا هذا العام، أتمنى للعام المقبل أن تكون خياراتي أفضل وأمتع بغض النظر عن العدد، وإن كان رقما قياسيا شخصيًا صعب التحقيق والتحطيم!

لا زلت أتلمس طريقي حول الطرق الصحيحة للتعامل مع ضغوطات الحياة، وخلق التوازن بين العمل والحياة. للأسف أحتاج للمزيد لكي أتقن هذه المهارة.

على صعيد التدوين

 

 

 

  • قمت بتنصيب قائمة بريدية تنمو مع الأيام من موقع Mail Chimp عوضا عن Google Feed burner، وهذا كان من أهداف التدوين للعام الماضي.

 

  • كما أنني قمت بربط الكثير من التدوينات ببعضها لجعل المواضيع مترابطة وتؤدي إلى بعضها البعض، سواء تدوينات قديمة أو جديدة. وهذا اﻷمر يستغرق الكثير من الوقت.

قطار العمر يمضي

بلغت من العمر تسعة وعشرين عاما، عام واحد يفصلني عن الثلاثين الكبيرة، آمال وأحلام لا تزال طي النسيان على أمل أن ينصلح الحال. جرس الإنذار يدق كي أستقر في عمل واحد وأركز على هدف واحد، حتى وإن كان الاستقرار يخيفني فعلي أن أتعايش مع مخاوفي وأعمل على الاستمرارية لدي.

 

في الخاتمة

هذا العام كشفني على حقيقتي، ما هي ميولي ودوافعي وكم هي قوية إرادتي ومبادئي. اﻵن أعرف بالضبط من وما أنا عليه. وهذا أمر يتطلب التعايش معه وتقبله! وإعادة النظر في الكثير من الحسابات والمبادئ واﻷفكار.

تخليت عن مناجم الملح ومسارات التيه وأسعى نحو هدفي ببطء وثقة، سأصل يوما ما لكن اﻷهم هو الاستمرارية. لا عودة للخلف ولا فرص ثانية لمن خرج من الباب أو ثبت أنه لا ينفع..

أكبر انتصار لي أنني لا أزال أقاوم، رغم كل الصعوبات والمحن لا أزال هنا. أستلهم القوة من أسطورتي المفضلة طير الفينيق، الذي يولد من رماده ليبدأ بداية جديدة. ربما تضربني الحياة وتحرمني رؤية من أحب، تأخذ مني وتأخذ وتأخذ، لكنها لن تكسر إرادتي.

طير الفينيق

شكرا لك على قراءة هذا التحديث، كيف كان عامك؟ أمل أنه كان أفضل من عامي..

من الملام؟

هل يجب علينا فعلا أن نجيب عن هذا السؤال؟
ما حدث في ليبيا خلال السنوات اﻷخيرة، أمر بشع ومروع. هل يجب أن نشير بأصابع اللوم ونحدد: من هو السبب فيما جرى لهذا البلد الغني بالثروات والقليل السكان؟
إذا كان اﻷمر ضروريا، فلنرى من المسؤول عن مجريات اﻷحداث!

فلنجب بكل تجرد على هذه اﻷسئلة

من أين أتى الوزراء والمسؤولون؟ أليسوا من بني جلدتنا؟

من الذي يقاتل حروب العصابات داخل المدن؟ أليسوا ليبيين؟

من يستهلك الكهرباء بشكل جنوني ويسبب طرح اﻷحمال؟ من الذي يسرق اﻷسلاك والكوابل؟ من الذي لم يدفع الفواتير لعدة سنوات متتالية؟

من الذي يخرب إمدادات المياه ويعطل اﻷبار؟

من الذي يسبب الزحام في المدن (باﻷخص طرابلس)؟ يركن سيارته حيث يشاء ويعطل حركة السير؟
أيضا القيادة الجنونية التي تحصد أرواح المئات كل شهر، من يقودها؟ شعب آخر مثلا؟؟

من يلقي بالقمامة كيفما اتفق؟ ويحرق القمامة وسط المنازل والمدارس؟

من ينهب المال العام؟ من لا يخلص في أداء وظيفته ولا يقوم منها إلا بالنذر اليسير؟ ربع ساعة هي انتاجية الموظف الليبي في اليوم حسب ديوان المحاسبة!!

من يحتكر العملة ويسبب في أزمة السيولة؟

من يهرب السلع التموينية والمحروقات ويسبب في انهيار العملة المحلية وضعف الاقتصاد القومي؟

من أقفل أبار النفط وحرم الشعب من مصدر قوته الوحيد؟

من جعل من ليبيا ممرا للهجرة الغير شرعية؟ أليسوا هم الليبيين أنفسهم من ضعاف النفوس الذين غرّتهم المادة وباعوا وطنهم بثمن بخس؟

هل يمكننا لوم أمريكا؟ الماسونية؟ لا أًصدق بنظرية المؤامرة! بل أصدق أن الشعب يرفض تحمل مسؤولية أفعاله!

مالذي نحن بحاجة إليه؟

نحن بحاجة لجرعة مكثفة من النقد الذاتي، أرشح كتب: الشخصية الليبية لمنصف وناس، و العرب وجهة نظر يابانية لنوتوهارا،
وكتاب ثورة المنطق الفطري لبين موري ويلس.
هذه الصفعات ستنسينا خرافات كررناها بكل سذاجة حتى صدقناها مثل: الشعب الليبي هو الشعب المتدين بالفطرة، وليبيا بلد المليون حافظ لكتاب الله. لأننا لسنا كذلك!

إن كنا كذلك لماذا نتذيل قوائم الشفافية والعدل ونعتلي قوائم الفساد والرشوية والمحسوبية؟ من جعل الفساد ركنا من أركان الثقافة الليبية؟

نسينا اﻷمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتركنا من ينكر في غيه يعمه!

نحن الملام، كشعب! حتى لو لم نسرق أو نهرّب أونغنم، نحن لم نفعل شيئًا لإيقاف ذلك..

العقلية الغبية التي تنص على: “أخطى راسي وقص”، وتعني أنه طالما لا يعنيني اﻷمر، فلن أتدخل. وأيضا جملة من نوع: “اللي ما يدير شي، ما يجيه شي” هي تاج السلبية بعينها!

البكاء على اللبن المسكوب لن يعيد البلاد كما كانت عليه. ولو أن كل منا قام بما يستطيع في نطاق دائرة تأثيره لما حصل ما حصل!

مالذي تعتقده أنت عزيزي القارئ؟ هل نفتقد إلى المحاسبة ومبدأ النقد الذاتي؟ أم أن المنافق محبوب وذاكر العيوب مذموم؟

طرق لحلاقة الشعر بنفسك

في التدوينة السابقة تحدثت حول الحلاقين وكيف ان التجربة مع معظمهم محبطة للغاية، لذلك سأسرد بعض الطرق التي تمكنك من حلاقة شعرك بنفسك.

هناك طرق تمكنك من الحلاقة بنفسك في التوقيت الذي يلائمك، والمحافظة على مظهر مقبول.

1. ماكينة الحلاقة الكهربائية

يمكنك شراء ماكينة حلاقة وعمل التسريحات بنفسك، أحد أصدقائي فعل ذلك وهو يوفر مبالغ جيدة كل شهر على الحلاقة (اشترى الماكينة بمئة دينار وهو يحلق لنفسه كل شهر، وسعر الحلاقة خمسة دنانير للحلاقة، أي أنه استعاد ثمن الماكينة بعد سنة وثمانية أشهر بالتحديد!).

ماكينة حلاقة براون، مصدر الصورة السوق المفتوح

إن أردت أن تشتري ماكينة حلاقة جيدة اﻵن فالسعر يصل إلى أربعمائة دينار لماكينة حلاقة متعددة السرعات وقابلة لإعادة الشحن – لأن ماكينة تعمل بالكهرباء ستكون محدودة بوجود الكهرباء من عدمها -. أما عن متى تستعيد ثمنها؟ فغالبا ستلقي بماكينة الحلاقة في القمامة قبل أن تستعيد ما دفعته فيها!!

ثمن ماكينة حلاقة جديدة قابلة لإعادة الشحن اكثر من نصف مرتبي الشهري!

2. مشط الشفرة  Razor Comb

هذا الاسم ترجمة حرفية لأنه بصراحة لا أعرف ماذا تسمى هذه الأداة، هي عبارة عن مشط عادي مثبت به شفرة حلاقة من الفولاذ (لاميتي ستاينلس ستيل)، وبمجرد تمشيط شعرك بهذا المشط سيقص الشعر.

رأيت هذه اﻵداة في فيديو على موقع يوتيوب وفورا عرفت أن هذا ما ينقصني لأتمكن من حلاقة شعري بنفسي، وببعض الاسئلة على موقع تويتر عرفت أن مستلزمات الحلاقين تتوافر في شارع ميزران المتفرع من ميدان الشهداء (ولم أكذب خبرا وكنت هناك في اليوم التالي لأشتري واحدة خاصة بي)، كنت قد قرأت عنها في أحد كتب الدكتور مصطفى محمود رحمه الله (حكايات مسافر) لكنه أوجز في وصفها ورغم أن التفصيلة علقت في بالي إلا أنه لم يسفر هذا اﻷمر عن شيء.ـ

صورة لمقص الشفرة Razor Comb

اقتصاديا هذا الحل ممتاز، مشط الشفرة يكلف أقل من 10 دنانير (سعر حلاقتين)، وثمن الشفرات البديلة رخيص كذلك (علبة بها خمس شفرات بدينار). ويمكنك هذا الحل من قص شعرك في أي وقت تشاء سواء توفرت الكهرباء أم لا، وبتكلفة زهيدة! اقل من عشر ثمن أرخص ماكينة حلاقة كهربائية!

ما بعد التجربة

  • من تجربة شخصية حلاقة الشعر بهذه الأداة ليس سهلا، يتطلب الكثير من النظر وإعادة النظر.
  • يجب أن تكون المرأة التي أقص عليها الشعر نظيفة، وكذلك وجود إضاءة جيدة في الحمام.
  • قد تقص الشعر اكثر من اللازم وتتولد بقع صلعاء لذلك كن حذرا!
  • يجب ان تكون الشفرة حادة بما يكفي والا لن تقص الشعر وستنتج رقع غير متساوية.
  • تنظيف الشعر المتساقط شيء ضروري فهو قد يسد حوض الحمام.
  • في حال أنك قصصت شعرك وهو مبتل، لا تنسى تجفيف الشفرة خارج الأداة فهي ستصاب بالصدأ.
  • احرص على شراء شفرات ذات نوعية جيدة. اﻷنواع السيئة تسبب بقع صلعاء!

مميزات امتلاك اداة كهذه

  • كذلك أتجنب الزحام المروري في الطريق من وإلى الحلاق.
  • توفير ثمن مستحضرات الشعر ككريمات التصفيف و”جيل” الشعر والزيوت.
  • الشعر القصير لا يتجمع فيه الماء وبالتالي لا يسبب البرد في الشتاء.
  • سهولة التصفيف خاصة عند الخروج مبكرا للعمل.

حتى أتمكن من العثور على حلاق لا يأكل البيض المسلوق وهو يحلق للناس وأسعاره معقولة، سأستمر في حلاقة شعري بنفسي.

ماذا عنك عزيزي القارئ: متى وكيف تحلق شعرك؟ هل لديك حلاق خاص تتعامل معه؟ كم تدفع مقابل الحلاقة في المكان الذي تسكن فيه؟ شاركني بالتعليق وشكرا لك على القراءة.

كوابيس طرابلس

هذه التدوينة بحاجة لتوطئة تاريخية، ها نحن ذا!

مجلة سامر، كم من الرعب يمكن تقديمه لطفل؟

وأنا صغير قرأت الكثير من المطبوعات اللبنانية التي كانت متوافرة في البيت مثل مجلة سامر، حاول المؤلفون تسليط الضوء بطريقة يفهمها اﻷطفال على بشاعة الحرب اﻷهلية ورعب اﻷطفال وهم يتنقلون بين الملاجئ خوفًا من القذائف العشوائية والصواريخ، وكانت هذه القصص تشعرني بالخوف.

بشاعة الحرب اللبنانية

كبرت قليلا وطالعت كتاب كوابيس بيروت لغادة السمان، وهالني هول ما قرأت! كيف يمكن لأبناء الوطن الواحد أن يشهروا السلاح في وجوه بعضهم البعض، الخوف من الرصاص الطائش ورعب الحواجز اﻷمنية (البوابات)، كيف أن اسمك على البطاقة يحدد ان كنت ستعود لمنزلك الليلة أم لا؟

تروي الكاتبة كيف أنها علقت تحت نيران القناصة حتى أتت سيارة مصفحة وحملتها إلى بر اﻷمان. رواية مكتوبة ببراعة وتجسد جزءًا من هول الحرب اﻷهلية.

غزو العراق 2003

سنة 2003 كانت سنة مفصلية في سيناريو الحروب اﻷهلية، أمريكا اجتاحت العراق وسط رفض المجتمع الدولي واستنكار العالم بأسره، لكن ما حدث قد حدث، والرسالة وصلت بقوة أن كل دولة في المنطقة يمكن أن تكون في مكان العراق الشقيق، تلك الصور من العراق أصابتني بالرعب وأنا ابن 13 عاما! هل يمكن أن يحدث هذا لنا؟ ونحن خرجنا للتو من عشر سنوات من الحصار الاقتصادي الخانق بسبب حادثة لوكربي الشهيرة؟ كانت كل المؤشرات تدل أن ليبيا ستنال مصير العراق وكنت شبه موقن من أن ما حدث لبغداد سيحدث لطرابلس..

“الربيع العربي” 2011

 كل شيء حدث بسرعة شديدة، الاحتجاجات عمت ربوع البلاد، قمع عنيف للمظاهرات ومطالبة بالتدخل الدولي لحماية المدنيين، تلا ذلك خمسة أشهر من القصف العنيف من قبل طائرات التحالف، لم أرى في حياتي شيئًا مثل هذا، نسمع أزيز الطائرة ثم بوووووووووم! يهتز البيت حتى يكاد يقع ونفقد السمع لبضع ثوان. ثم انتهت تلك الحرب وساد السلام، أو كنا نظن ذلك على اﻷقل.

ليس هناك ذكر لتلك الفترة على المدونة سوى قطع الانترنت. احاول تجنب السياسة قدر المستطاع، لكن بلغ السيل الزبى صراحة..

فجر ليبيا 2014

الفترة ما بين 2011 – 2014 كانت هناك اشتباكات بدأت صغيرة وخفيفة، عملية قبض تحولت لمواجهة بالسلاح، اشتباك بين مجموعتين محليتين حول مقر ما أو شخص تم خطفه، وككل شيء اشتدت وتيرتها وأثارها تدريجيا حتى بلغت ذروتها في العام 2014، 50 يوما من القتال العنيف وسط المدينة بالسلاح الثقيل، لا يمكنني وصف الرعب الذي شعرنا به عندئذ، المدينة خاوية من سكانها ولا يسمع إلا صوت القذائف ويتصاعد الدخان من كل شيء، باستثناء عشية اجلاء السفيرة اﻷمريكية، تلك كانت أمسية هادئة..

حرق خزانات النفط في حرب فجر ليبيا

الكهرباء تقطع لثمانية عشر ساعة وأكثر خلال اليوم، البيت بالكامل يهتز لوقوع قذيفة بالقرب منه، الخوف يجثم على الصدور، والكل يشعر بالعجز. أرسلت رسالة لصفحة المجلس البلدي على الفيسبوك أستغيث بهم، فردوا علي بجملة (ربي يحفظكم ويكون في عونكم)، لماذا انتخبكم الناس اذا؟؟ لتردوا عليهم بنبرة العاجز المستضعف عندما تحدث أزمة؟ !

نهاية حتمية

انتهت تلك الحرب البشعة، لو سألت أي شاب أو شابة من سكان طرابلس سيخبرونك أن تلك الفترة هي اﻷسؤا في حياتهم دون منازع، الكل فقد شيئًا أو شخصًا عزيزًا عليه، الكثيرون مروا بتجربة النزوح المريرة، ليس الكل يمتلك مسكنا خارج طرابلس (الكثيرون لا يمتلكون مسكنا داخل طرابلس، ناهيك عن خارجها). تردي الوضع الاقتصادي تسارعت وتيرته بعد تلك الحرب وكذلك الانقسام السياسي.

ما بعد الفجر

من حين لأخر حدثت اشتباكات متعددة في ضواحي المدينة، عادة تغلق تلك الناحية وما يؤدي لها بالسواتر الترابية ويمضي الناس إلى حياتهم بشكل شبه طبيعي، لكن هذه المرة كانت أكبر وأخطر بكثير. .

أغسطس 2018، ماذا تسمي هذا العبث؟

أواخر أغسطس اندلعت الحرب دون مبرر- وهل من مبرر للحرب؟ وبدأت القذائف تنهمر على البيوت اﻷمنة، بيانات تستنكر وحكومات تشجب، وفرصة لكل من تسول له نفسه الطعن في خصم سياسي، دون اعتبار لحياة المدنيين وأمنهم.

سقوط قذيفة على حي سكني بضواحي العاصمة

صور تناقلتها وسائل التواصل لدبابات ومدرعات ومدافع تنقل إلى اﻷحياء السكنية! هل أنتم تحررون فلسطين أيها الملاعين؟ أنتم تتحاربون وسط منازلنا ومساجدنا وشوارعنا؟! لماذا تفعلون ما تفعلونه؟

نقل دبابة إلى مناطق الاشتباك (الصورة من جزيرة الفرناج جنوب شرق طرابلس)

 

إنزال دبابة في الاشارة الضوئية صلاح الدين (جنوب طرابلس)

أيام عصيبة من انتظار المحتوم، بدون كهرباء ووسائل إتصالات، المحلات التجارية نفدت بضائعها وأقفلت أبوابها خوف النهب والسلب، ورائحة القمامة تسد اﻷنوف.

كيف هي الحياة تحت خط النار؟

 هل تسقط علينا قذيفة عشوائية تنهي حياتنا هنا واﻵن؟ هل سنصحو في الصباح لنجد أنفسنا كاملين ولسنا أشلاء (هل يصحو من تحول لأشلاء؟)، وإن صحونا هل سنعيش لنرى نهاية هذا اليوم؟

الناس تأكل تحت القصف، وتنام تحت القصف، وتحلم تحت القصف بغد أفضل، وتحب وتكره تحت القصف. القصف ليس حالة صوفية من التأمل والخروج من الجسد، هي نفس الحياة بشعور أكبر بالخطر واستنفار لكامل الحواس.

أعيد التفكير في الموت والحياة على صوت الرصاص، كم هي تافهة الحياة التي يمكن أن تأخذها قطعة صغيرة من النحاس أو شظية عشوائية أطلقها مراهق مخمور يحارب حربا لا يفهم لماذا يحاربها.

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

معضلة النزوح

نفس اﻷسئلة تراودني كلما اشتدت وتيرة القصف بين الاخوة اﻷعداء: هل نغادر بيتنا؟ إلى أين؟ هل سنجده في مكانه لو خرجنا؟
المكالمات المتعاطفة نفسها التي تزيدنا خوفا: “أطلعوا! شن قاعدين اتديروا غادي؟؟ أطلعوووووا”. “ردوا بالكم على أرواحكم”, كيف سأفعل ذلك؟ هل أنام في العادة فوق السطح فاتحا ذراعي للقذائف؟ أسئلة مستفزة ظاهرها التعاطف وأشك أنها فقط لغرض قطع الملام.

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

اسال نفسي دائما: مالذي سأخذه معي في حالة أنني سأغادر البيت؟ المنطق يقول: جواز السفر وبعض المال، لكن لدي أشياءً أخرى تهمني وأريد أخذها معي، هل تستوقفنا بوابة تسلب كل متاعنا وربما حياتنا؟ هل وهل وهل.

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

كثير من اﻷسئلة المقلقة التي يجب أن يكون لدي جواب عنها في حالة أنني سأستمر في العيش في هذا البلد.

جاهلية القرن الحادي والعشرين

العرب في الأشهر الحرم كانت توقف القتال وتعظم الهدنة قبل الاسلام، لكن الذين أبتلينا بهم لا يعظمون شيئًا سوى الدم والرصاص.
أحيانا يخيل إلي أننا نعيش في الجاهلية، مع أجهزة أيفون وسيارات!

مصدر الصورة: حساب الصحفي عمر فتح الله

هل يستمر هذا السلام الهش؟

إلى متى سيستمر هذا الوضع الراهن؟ هل يدوم وقف إطلاق النار الذي رعته اﻷمم المتحدة؟ هل سيعود السلام إلى ليبيا يومًا ويختفي منها شبح الخوف، كل الخوف؟ أم أنها ستعيش على خط المواجهة دائما؟
هل يجب أن نصبح لاجئين في دول المهجر نحمل أوطاننا بين أضلعنا؟ لماذا تطرديننا يا ليبيا ولا مكان لنا غيرك؟

طرابلس البائسة

مدينة طرابلس التي تردت أحوالها في السنوات اﻷخيرة وتذيلت قوائم المدن الصالحة للمعيشة، وصارت عروس البحر أرملة يطمع فيها كل من في قلبه مرض، مدينة حزينة معدومة الخدمات، تختنق من الزحام والتوقف العشوائي، ويجثم على انفاسها حرق القمامة وسكب مياه المجاري في البحر المتوسط. لكنها قبلة أنظار المتصارعين حتى في خرابها اﻷخير.

ليست هذه أول حرب تعيشها هذه المدينة، ولن تكون اﻷخيرة، هل يمكننا تحمل حرب أخرى؟ إلى متى نعيش بين الشك واليقين؟ أتمنى السلام لهذا البلد المنهك..

هل يمكن أن تسوء الأمور أكثر؟ نعم!! طالع هذه التدوينة..

(توجد تدوينة مشابهة باللغة الانجليزية هنا).

« Older posts Newer posts »